«إنّ هذه المحكمة الاستعراضية هي دليلٌ بسيط على تسجيل النقاط السياسية بين مصر وقطر التي تموّل قناة «الجزيرة»، على حساب الصحافيين. يتعرض الكثير من الصحافيين في مصر لأحكام سجنٍ تصل إلى المؤبد من دون أي اتهام فعلي. على الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يعلم أنّ العالم سيراقب هذه المحاكمة في 29 آب (أغسطس) الحالي، ورد فعل نظامه عليها». هذا جزء مما كتبته المحامية اللبنانية ــ البريطانية أمل علم الدين في مقالتها التي نشرت أوّل من أمس عبر موقع «هافنغتون بوست»، إثر تأجيل محاكمة فهمي للمرّة الثانية إلى 29 آب.


المحامية الشهيرة تتحدّث بالطبع عن قضية الإعلامي الكندي محمد فهمي (كان يحمل الجنسية المصرية، لكنه تنازل عنها تحت الضغط). فهمي الذي لا يزال يقبع في سجون النظام المصري من دون أي منطق أو مسوّغ قانوني كان قد قُبض عليه في القضية التي عُرفت باسم «خلية الماريوت» (اعتقل في كانون الأول/ ديسمبر 2013)، والتي اتهم فيها النظام المصري ثلاثة صحافيين هم: بيتر غريست، محمد فهمي، وباهر محمد من صحافيي قناة «الجزيرة» الإنكليزية (تبث من مصر) بأنّهم «يزورون الحقيقة ويشوّهون صورة مصر الخارجية» من خلال نشرهم و«تعديلهم» فيديوات لـ«تشويه صورة النظام لمصلحة الإخوان المسلمين المحظورة». وفي حزيران (يونيو) 2014، حكمت المحكمة على الصحافيين الثلاثة بالسجن لسبع سنوات مشدّدة.
زوجة النجم الهوليوودي جورج كلوني التي تؤدي دور المستشارة القانونية لفهمي، طالبت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالنظر إلى هذه القضية، لافتاً إلى أنّه «أبعد نفسه عن القضية أكثر من مرّة، لكنّه أبدى في الوقت نفسه استعداده للعفو عن الصحافي الكندي في حال إدانته في هذه القضية». وتطرّقت أمل علم الدين أيضاً إلى أنّ هذا الموضوع «إشكالي وشائك»، ويسبب إحراجاً لمصر التي يعاني سجلّها ــ الحالي إبّان حكم هذا السيسي ــ من مشاكل كبيرة في حقوق الإنسان والصحافيين والإعلام عموماً.


تحدّثت المحامية اللبنانية ــ البريطانية عن تسجيل النقاط السياسية بين مصر وقطر

قضية فهمي كانت قد اشتعلت بعدما كان زميله في القضية الصحافي الأوسترالي بيتر غريست قد رُحّل إلى بلاده إثر تطبيق قانون «ترحيل الأجانب في حال إدانتهم بارتكاب جريمة على الأراضي المصرية». قانون أوجدته بطانة السيسي القانونية نفسها كباب خلفي لإغلاق قضايا الصحافيين الأجانب، وقضية صحافيي الجزيرة الغربيين تحديداً. حاول محمد فهمي اللعب بواسطة هذه الورقة، فتنازل عن جنسيّته المصرية ليضمن ترحيله إلى كندا. لكن ذلك لم يحصل على الرغم من أنّ القضاء المصري أقرّ بذلك في 12 شباط (فبراير) 2015، آمراً بإخلاء سبيله بكفالة مالية تقارب 32 ألف دولار أميركي. وكان فهمي قد رفع قضية «تعويض» على «الجزيرة» بحجّة «الإهمال» الذي مارسته عبر «إعطائه معلوماتٍ غير دقيقة حول وضعه القانوني في مصر، وبث تقاريره عبر «الجزيرة مباشر مصر» المحظورة في المحروسة». وأكد فهمي في الوقت عينه أنّ القناة امتنعت عن تسديد نفقاته القانونية بعدما قرّر تغيير المحامي الذي كانت «الجزيرة» قد عيّنته لمتابعة قضيته، الأمر الذي نفته المؤسسة الإعلامية الإخونجية الهوى.
هذه المناورة الذكية من فهمي لم تحقق له شيئاً، ولا سيّما أنّ المحاكم المصرية لم تعرها أي أهمية، بل إنّها أجّلت المحاكمة إلى شهر حزيران (يونيو) الماضي، لتعاود التأجيل من جديد حتى 29 آب (أغسطس) تحت حجج مختلفة، منها افتتاح قناة السويس بشكلها الحالي (المقرّر بعد غدٍ الخميس) وانشغال «البلد» بذلك!!
وكان صحافي الجزيرة المعتقل الذي قضى أكثر من 400 يوم حتى اللحظة في سجن «طرة» المصري قد أرسل في بداية 2015 رسالة إلى السيسي نشرها عبر صحيفة «نيويورك تايمز»، متحدّثاً عن دور الصحافيين في مكافحة الإرهاب و«عنف سرطان الإسلام السياسي»، لافتاً إلى أنّ أهل الإعلام ليسوا أعداءاً للأنظمة، بل يُسهمون في حمايتها عبر نقل الحقيقة لا غير، فـ«نحن الذين نوضح حقيقة الإرهاب الذي يسعى لهزيمة الأنظمة». وأكدت الرسالة أنّ فهمي «ضحية حرب نقاط وحسابات بين أطرافٍ متحاربة (قطر ومصر)»، وأنّه ليس أكثر من إعلامي كان يؤدي عمله.
رغم قتامة الوضع بالنسبة إلى قضية محمد فهمي، إلا أنّ هناك بصيص نور في آخر الطريق بالنسبة إليه. فهناك «دولة كبرى» (كندا) تتحرّك لأجله، ووسائل إعلام ومؤسسات قانونية كثيرة تسعى إلى الإفراج عنه. في المقابل، يقبع زميله المصري باهر محمد بانتظار مرور سنوات السجن السبع بيسر، فهو لا يمتلك جنسية أجنبية تحميه من «غدر» الزمان والأنظمة العربية.