«بعد ساعة بدأ يسمع صوت صفعات هناك، صفعات أربكت الجميع، يقوم الواحد منهما من على كرسيه، ويصفع صديقه صفعة قوية مسموعة، ثم يجلس مكانه، بعد قليل يقوم الآخر بردّ الصفعة بالقوة نفسها ثمّ يجلس مكانه، والحوار بينهما لا ينتهي، يتحدثان وهما يبتسمان، إلى أن تعوّد الحضور على الإيقاع حتى مطلع الفجر. مات عصام في يوليو من العام نفسه ولم يكن مريضاً، ولحق به صديقه بعد شهرين». في «الجو العام» (ميريت ــــ القاهرة) يخوض الشاعر إبراهيم داود تجربة سردية من نوع خاص، حدّد لها وصفاً هو «كتاب قصصي». لسنا أمام قصص قصيرة، ولا مقالات تستدعي ذكريات صاحبها عن الآخرين، بل مزيج من هذا وذاك، وحكايات لا يكاد يظهر فيها مؤلفها، يلقي أبطالها ضوءاً على «الجو العام» المحيط بهم. عبر 37 حكاية، نتتبع الآمال والإحباطات، وأحلام الأوساط الثقافية وأحقادها. نرى الموهوبين الذين يأتي بهم القطار إلى القاهرة. الحانات التي تحتضن اليائسين ليلاً، والتناقضات التي لا يحلّها سوى «الدخان». «أخذ يقلّب البذلتين ويتأكد من أن جيوبهما فارغة. فعل ذلك بشكل تلقائي، ولم يصدّق نفسه وهو يخرج قطعة حشيش لا تقل عن نصف أوقية منسية منذ السبعينيات، تحدّث إليها بفرح: أنا فاكرك... إنت فاكراني؟».

يبحث داود عن الدهشة في ثنايا اليوميات البسيطة. الأفق المغلق في الحكايات يدفع أبطالها إلى إسقاط معانٍ كبرى على تفاصيلهم العادية. «فجأة قام كمال وأمسك بعبد الباسط وقال له بحدّة: يعني إيه ياخد ولاعتي؟ ولاعتي يجب أن تظلّ في جيبي، أنا أكره الكبريت، لم يعد الكبريت كبريتاً، وعندما أمشي في الشارع من دون ولاعة... أشعر أنّني إنسان فاشل».
غير أنّ الأمر ليس دوماً بهذا التبسيط. ثمّة أحلام كبرى وخاسرة بالضرورة، وغامضة أحياناً. رغم أنّ حمدي «لم يكن يسارياً قبل ذلك، وكان يسخر من الشيوعيين، ويعتبرهم السبب في كل مشاكل مصر»، إلا أنه «اعتبر انهيار الاتحاد السوفياتي هزيمة شخصية له». ورغم أنّ الحكايات تتناول إحباطات جيل الثمانينيات والتسعينيات، إلا أن الصداقات الثنائية تهيمن على الكتاب. صداقة لدودة تحفل بالتنافس والغيرة والمحبة والتسامح في آن واحد. تناقضات طبيعية تضفي على الكتاب مرحاً خفيفاً، كالطريقة التي انفصمت بها عرى صداقة العمر بين سمير بيه وفريد بيه بعد تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر). لماذا؟ «لأنّ فريد بيه اكتشف أنّ صديقه فرح جداً بتفجير البرجين، (...) وذهب ليلتها إلى بار الأنجلو وعزم الناس جميعاً على بيرة». وهكذا رد فريد على اتصال صديق عمره بالقول: «نمرتك معايا وتأكد أنني سأتصل بك ذات يوم»! موضحاً أن علاقته بصديقه وصلت إلى «نقطة عدم الاكتراث»!
كجميع الناس، تحمل كل شخصية في «الجو العام» نصيبها من الغرابة. لكن ثمّة من هم أكثر غرائبية من الجميع، مثل إدريس الذي هو «ليس ليبياً كما يعتقد الجميع، واسمه ليس إدريس». يُدخلنا المؤلف حكاية إدريس الذي بدأ شاعراً «يكتب بالعامية، وكانت نوايا قصائده طيبة»، إلى أن تحول إلى نصّاب يعمل في الملاهي الليلية، ومنها مضى إلى السجن. حكايات كثيراً ما يختلط فيها الخاص بالعام، فيستيقظ حسام فزعاً على ضربات قوية على الشباك، وصوت سلامة الجهوري يقول: «إنت نايم وصدّام دخل الكويت!».