القاهرة | أول مفاجأة في فيلم «الفاجومي» الذي طُرح أخيراً في الصالات المصرية، أنّ اسم الشاعر ليس أحمد فؤاد نجم الملقّب بـ«الفاجومي»، بل أدهم فؤاد نسر. المفاجأة الثانية أنّ الشريط الذي يحمل اسم عصام الشماع، تأليفاً وإخراجاً، لا أثر فيه لأي تأليف. باستثناء ابتكار شخصية أم آمال (جيهان فاضل) جارة الشاعر والمغني في خوش قدم، ليس في السيناريو أي جهد درامي سوى اقتباسات تطول أو تقصر ـــــ بلا أساس واضح ـــــ من مذكّرات «الفاجومي».

تستهدف السينما الواقعيّة الخروج بقصة إلى جمهور أوسع، لكن فيلم «الفاجومي» بدا كأنّه مخصّص لمن قرأ المذكرات. أولئك وحدهم يستطيعون استيعاب الأحداث التي كانت واضحة في الكتاب، وغامضة على الشاشة. مثلاً يغنّي الشيخ إمام (صلاح عبد الله) وأحمد فؤاد نجم (خالد الصاوي) أغنية «غيفارا مات» في مؤتمر جماهيري في قرية كمشيش في دلتا مصر. نرى في الصف الأول من الجمهور عدداً من الآسيويين يصفقون بإعجاب. من هم هؤلاء؟ هل للمتفرج أن يستنتج أنهم بعض كوادر الأحزاب الشيوعية الذين دعتهم المناضلة شاهندة مقلد؟ يتطلب ذلك من المشاهد أن يحضر معه إلى السينما كتاباً عن تاريخ الحركة الشيوعية.
بداية حماسية لتترات تعرض هجوماً لقوات الأمن المركزي مع أغنية «أنا رحت القلعة وشفت ياسين» بصوت الفنان أحمد سعد. لم يقدم سعد جميع الأغنيات بل شاركه بعضها صلاح عبد الله/ الشيخ إمام عيسى أو همام موسى. لعبة تبديل الأسماء استمرت طوال الفيلم وطاولت الشخصيات الرئيسية. قال صنّاع الشريط إنّ ذلك لأسباب قانونية رغم أنّ «الفاجومي» الحقيقي كان مشجعاً للفيلم وتوسط الحضور في افتتاح التصوير.
نبدأ في عام 1959، وأحمد فؤاد نجم عامل بسيط في ورش النقل الميكانيكي، يحتفظ في جيبه بصفحة من جريدة نشرت صورته بوصفه عاملاً بطلاً رفض العمل في معسكرات الجيش الإنكليزي قبل جلاء الاحتلال. الحياة صعبة في الورش، لكن الشاعر لا يبدو مشغولاً سوى بحياته «العاطفية»، مستغلّاً موهبته في الغزل. يقنعه زميله باللجوء إلى حيلة لتحسين دخلهما، يزوّران عدداً من استمارات القماش التي كانت توزعها حكومة عبد الناصر على الفقراء. وسرعان ما يدخلان السجن، حيث يتعرّف الشاعر إلى الشيوعيين ويقنعهم بموهبته. يجدون فيه صوتاً مختلفاً عن صلاح جاهين وفؤاد حداد...
الموهبة نفسها تقنع ضباط السجن، فيجمعون أشعاره في ديوان «صور من الحياة والسجن» الذي يصدر يوم الإفراج عنه. يُعرف نجم بلقب «الشاعر السجين» حتى بعد خروجه. يعرّفه الشيوعيون إلى الشيخ إمام، يجد فيه توأم روحه، فيبدأ معه رحلة السكن والنضال والسجن المشترك و... القصة بعد ذلك معروفة. يتنقل عبرها السيناريو باستخدام الطريقة الأكثر تقليدية: شاشة سوداء تظهر كل قليل لتوضح زمن المشاهد التالية، 1962، 1967... عند نهاية السبعينيات، تنتهي نقلات «الفاجومي» الزمنية. لكنّ مشهداً أضيف لجموع ميدان التحرير في «ثورة 25 يناير»، ثم لقطة للفاجومي وقد طعن في السن (فقط بدليل زيادة الشيب في رأسه) يجلس وحيداً مع خلفية بيضاء ليغني «مصر يامة يا بهية».
لإضفاء الواقعية على الفيلم، وربما تجنباً لزيادة تكاليف الإنتاج (المنتج حسين حامد)، استعان المخرج بالعديد من اللقطات الحقيقية لزمن النكسة وتظاهرات السبعينيات. بعيداً عن ضعف المَشاهد، كان الفقر الإنتاجي واضحاً في اللقطات التي حاولت محاكاة الواقع، فانحصرت داخل حارة الشيخ والشاعر، ومشاهد الخروج الهائل للمصريين رفضاً لتنحي عبد الناصر أو حزناً على رحيله... ثم انعكس الفقر الفني على معظم عناصر الإخراج: لم نر أثر الزمن على الديكور (محمد همام)، والملابس (منى الزرقاني). وكثيراً ما ضاعت كلمات الأغنيات لرداءة شريط الصوت أو ربما للآلات التي اختارها أشرف محروس للتوزيع.
والجهد المبذول لتوضيح فرق المستوى الاجتماعي بين «الفاجومي» وزوجتيه صافيناز كاظم أو ماهيتاب قدري (كندة علوش) وعزة بلبع أو منة مراد (فرح يوسف)، بدا مجهوداً مبالغاً فيه، فبدت الزوجتان كأنهما تنتميان إلى أسر ملكية. انتقلت مشكلات الإخراج إلى مدير التصوير محمد شفيق بسبب الأداء غير الابتكاري للمخرج. بدا ذلك في لقطات السجن حيث لجأ المخرج إلى تقطيع مسرحي للفاجومي، أثناء إلقاء قصائده على رفاقه في «الزنازين». فاقمت المشكلة إطالة زمن الإلقاء الشعري طوال الفيلم داخل مواقع تصوير داخلية، ما أسهم في بحث الكاميرا من دون جدوى عن زوايا تصوير متعددة داخل الكادر.
الإشكالات السابقة تصغر أمام المشكلة الرئيسية، وهي عجز المخرج/ السيناريست عن الإمساك بروح الشخصية الرئيسية. يمكن من قرأ الفاجومي أو قرأ عنه أن يعرف أنه ليس تلك الشخصية الغيفارية. أهم ما يميز الفاجومي الحقيقي أنه تعبير أصيل عن الشخصية المصرية الشعبية بمميزاتها وعيوبها. مزيج من الجرأة والاحتيال والتحايل والسخرية والنصب وحب الحياة. لم يمسك المخرج بالخيط الرفيع الذي ينظم كل ذلك. بدا الشاعر غامضاً على الشاشة، أشبه بوعاء يجتمع فيه النضال والنساء والحشيش والشعر والسجن من دون رابط. ذلك ما أهدر اجتهاد الممثلين الواضح عبر زمن الفيلم، لكن النيّات الطيبة لا تكفي لابداع فن جميل. الفاجومي (الفيلم لا الكتاب أو الشاعر) دليل جديد على ذلك.