يقف بشير السباعي في مكتبه، ووراءه ما لا يقلّ عن 60 كتاباً في مختلف حقول المعرفة، عرّبها من الفرنسية والروسية والإنكليزية. تدور موضوعات معظمها حول قضايا فكرية وتاريخية وفلسفية كتبها مفكرون ومثقفون موسوعيون من أمثال تيموثي ميتشل، وآلان غريش، وهنري لورانس، وجاك بيرك، والمؤرخ فرنان برودل، والشاعر السريالي المصري جورج حنين...


لا يعد الترجمة مهنة بقدر ما هي رسالة معرفية. يبدو اليوم منخرطاً في سجالات سياسية أكثر من أي وقت مضى. هذا الـ«تروتسكي» الذي يرى في الثورة المصرية أملاً جديداً، يغرق يومياً في مدونته «مبدأ الأمل» حيث يسجّل ملاحظات على وقائع كثيرة تشهدها الثورة المصرية في تحولاتها.
«ثورة 25 يناير»، حسب المترجم المصري، كانت «ثورة على الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر الذي جرّ الويلات على غالبية المصريين من دون أن يستفيد منه سوى أوليغارشية بورجوازية زبونة للإمبريالية». إنها ثورة على الرأسمالية التي استندت إلى نظام سلطوي فاسد يمثل هو نفسه تعبيراً عنها، وأداةً من أدواتها، بكل ما يملك من ترسانة قوانين استثنائية وسجون ومعتقلات. لكنّ هذا المثقّف النقدي لا يبدو متفائلاً بظهور أحزاب يسارية في الشارع المصري. يرى أنّها لا تعبر إلا جزئياً عن بعض جوانب برنامج التحرر السياسي والاجتماعي. أما خياراتها التكتيكية الراهنة المتمثلة في التحالف مع السياسيين الليبراليين البورجوازيين، فهي خيارات «جبهة شعبية» بورجوازية تسهم برأيه في هزيمة الثورة.
وفي المقابل، لا ينظر بشير السباعي بعين الرضى إلى صعود التيارات السلفية وقوى الإسلام السياسي: «ما يجري نتيجة طبيعية، إذ لم تحدث ثورة ثقافية تنويرية، ولم يُفصل الدين عن الدولة وعن التعليم العام، والحبل متروك على الغارب منذ عقود لسيطرة الإسلاميين على التعليم العام والقضاء، وعلى الجانب الأوسع من الإعلام. ونسبة الأمية في بلادنا تتجاوز الثلاثين في المئة، والتعليم منهار، والإعلام فاسدٌ ورجعي، وأموال مجلس التعاون الخليجي تتدفق على الدعوة السلفية سعياً لدرء خطر الثورة الدائمة».
ينظر الرفيق بشير إلى التيارات السلفية والإسلام السياسي بصفتهما «تعبيراً عن احتدام التوترات الاجتماعية والسياسية الناجمة عن أزمة الرأسمالية المعاصرة وهمجيتها». أما «الخروج من مستنقع السلفية»، فيبدأ برأيه من مواجهة الرأسمالية: «الجميع يلعب بالنار ويحاول تسميم الوعي العام بسموم التعصب الطائفي والعنصرية واحتقار المرأة... والجميع يتآمر على الشبيبة الثورية، وحركات الاحتجاج الاجتماعي النبيلة. شبح الفاشيّة يخيم اليوم على المجتمع».
هذا المثقف والمناضل المولود عام 1944، يقول اليوم إن دافعه الحقيقي كان دوماً «نشر الأفكار التقدمية». منذ شبابه، اعتنق الأفكار التروتسكية، وبحث عمّا يؤطر وعيه السياسي والفكري في المصادر الأجنبية حينذاك. خبرات كثيرة تكوّنت عنده نتيجة هذا التراكم. «المترجم هو مثقف بطبيعته ـــــ يقول ـــــ لا يتوقف أبداً عن تطوير معرفته أو تقنياته». بعد تلك الرحلة الطويلة، يرى أنّ خياراته كانت جزءاً من مشروع فكري سعى إلى تأسيسه واستكمال لبناته كلما أتيحت له الفرصة.
تربى السباعي في أسرة ذات اهتمامات ثقافية أصيلة. الأب كان يكتب الشعر وينشر قصائده في صحف الأربعينيات الى جانب ممارسته مهنته مهندساً زراعياً. وفي هذا المناخ، تكوّنت لدى الفتى ميول ثقافية نمّاها عبر حرصه على قراءة ما تيسر له من الكتب الموجودة في مكتبة الوالد الذي كان يقيم صالوناً أدبياً اشتهر في مدينة دمنهور.
خلافاً لترجماته المعروفة على نطاق واسع، صدرت مجموعاته الشعرية عن دور صغيرة، ولم توزّع إلا على نطاق ضيّق. بينها «تربادور الصمت» و«مبدأ الأمل». لكنّه في السنوات الأخيرة لم يعد مهتماً بترجمة نصوص شعرية شأنه في ذلك سابقاً: «أغلب ترجماتي فكرية متصلة بالعلوم الانسانية إجمالاً، وتحديداً بالتاريخ والفلسفة السياسية وكل ما يتعلق بمصر. ولم تكن ترجمات أدبية في الأساس. لكنني خلال مرحلة معيّنة، وفي معرض اهتمامي بتاريخ الجماعة الثقافية الابداعية في مصر، نقلت إلى العربية نصوص كتّاب وشعراء مصريين فرنكوفون، أمثال جورج حنين، وأحمد راسم، وجويس منصور... فعلت ذلك لتصحيح مسار تاريخ الأدب في مصر، والكشف عن مصادره الطليعية.
وعندما نسأله عن تفسيره لحماسة الشعراء الشباب، وإقبالهم على تلك النصوص القديمة، يجيب: «أحس أنّ في مقدور الشباب العثور على أسلاف ليسوا قوميين بالضرورة. وربما اقتنعوا بما قاله جورج حنين، من أنّه ليس هناك أجانب في الأدب والفن».
بعد فوزه بـ«جائزة رفاعة الطهطاوي» عن ترجمة كتاب المؤرخ الفرنسي هنري لورانس «مسألة فلسطين»، أدرك صديقنا أن خياره العمل على هذا الكتاب خمس سنوات متواصلة لم يكن عبثياً. هو يعتز بالجائزة وبالكتاب الذي يعدّه أفضل ما كُتب عن القضية الفلسطينية، معتمداً على آلاف الوثائق والتقارير وأرشيفات متعددة اللغات والمصادر. ويرى بشير السباعي أنّ النص ذو أهمية من زاوية تعامل المؤلف مع القضية الفلسطينية بمعيار موضوعي متحرر من الخطابات الايديولوجية المسبقة عن الصراع العربي ـــــ الاسرائيلي، منتهياً الى التأكيد أنّه «ليس من حق أحد أن يستولي على أرض شعب آخر بزعم تنفيذ وعد إلهي».
هناك كتاب آخر يعتزّ به: ذلك الذي ترجمه وصدر عن «المركز القومي للترجمة» وهو «العرب والمحرقة النازية/ حرب المرويات العربية ـــــ الاسرائيلية عن الهولوكوست» للباحث اللبناني جلبير الأشقر. وهنا، يحرص على أن يؤكد دوماً أنّ دوافعه بوصفه مترجماً كانت تناول غالبية القضايا من زاوية تقدمية، تنشد مستقبلاً أفضل للبشرية، وكانت دوماً خيارات تستوفي الأمور من زاوية موضوعية، مستلهماً فيها مقولة المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي «الحقيقة وحدها يمكن أن تكون ثورية».




5 تواريخ





1944
الولادة في دمنهور ـــ
شمال مصر

1967
عمل مترجماً في «الهيئة العامة للاستعلامات»
التابعة لوزارة الإعلام المصرية

1994
ديوان «تربادور الصمت» (دار النيل)

2010
«جائزة رفاعة الطهطاوي»
عن ترجمة كتاب «مسألة فلسطين»
(المركز القومي للترجمة)

2011
صدور ترجمته لكتاب «حكم الخبراء»
لتيموثي ميتشل (المركز القومي للترجمة)