رحل موسيقي الجاز وعازف الترومبت الأميركي مايلز دايفس منذ عشرين عاماً. في هذه المناسبة، لا ترتقي أي استعادة أو مقاربة لمسيرته الفنية إلى أهمية السؤال التالي: لو كان مايلز حياً، مع مَن كان سيتعاون، وفي أي نمط موسيقي كان سيوظّف عبقريته؟ يبدو السؤال عبثياً. وهو كذلك لكن ليس في هذه الحالة.


يكفي أن نعرف أنّ مايلز بدأ مسيرته في عالم السوينغ (أول تيارات الجاز) وختمها بالهيب ـــــ هوب، كي نجزم أنه لكان مشغولاً اليوم بأحدث برامج الكومبيوتر بحثاً عن أصوات العصر لاختيار ما هو غير مألوف منها وبناء مقطوعات صوتية، لا تنقصها إلا لمسة أخيرة: صولو ترومبت.
هذا الرائد في معظم تيارات الجاز في النصف الثاني من القرن العشرين، كان همّه البحث عن أصوات المستقبل. كان مسكوناً بهاجس أن تخاطب موسيقاه الأجيال المقبلة، لا الجمهور الكلاسيكي فقط. هكذا سأل أحد أصدقائه قبل رحيله عن إمكان إيجاد فنان يعمل في مجال الهيب ـــــ هوب. يومها، وقع الخيار على موسيقي الراب Easy Mo Bee الذي لم يصدّق أنه سيتعاون مع «الملك» البالغ حينذاك 65 سنة، وأن هذا اللقاء سيثمر عملاً بعنوان Doo-Bop. كانت تلك أسطوانة مايلز الأخيرة التي صدرت عام 1992 بعد عام على رحيله. ولد مايلز دايفس عام 1926. ككثيرين من السود الأميركيّين، بدأ صغيراً باكتشاف موسيقى بيئته. عشق آلة الترومبت، فصنع منها قاعدة انطلاق نحو الارتجال والتأليف أو التأسيس لتيار جديد. في الجاز، ثمة فنانون جعلوا من آلاتهم الأساسية مرادفاً لأسمائهم. من هنا يمكن القول إن للترومبت ثلاثة عمالقة رغم الاختلافات (الموسيقية وغيرها) في ما بينهم: لويس أرمسترونغ، وديزي غيلسبي ومايلز دايفس. أرمسترونغ ـــــ أعتق الثلاثة ـــــ كان خلافه مع مايلز جذرياً على مستويَيْن. الأول موسيقي يتلخَّص في أنّ الأخير حلّق بعيداً في عوالم جاز جديدة، فيما بقي «ساتشمو» (لقب أرمسترونغ) كلاسيكياً إلى حدٍّ ما. والثاني نضالي يكمن في اختلاف وجهات النظر بين الرَجلَيْن لجهة الانخراط في مجتمع الرجل الأبيض. «ساتشمو» قرر بيع ما لديه من هذا اللون للبيض: ضحكة عريضة سعرها 75 ألف دولار! هكذا أجاب عندما سأله مايلز عن سرّ هذه الابتسامة الدائمة. أما مايلز، فبقي الجوهرة السوداء الغاضبة التي لا أبيض في منظومتها سوى تلك المادة الملعونة التي أدمنها، بل عشقها، أي الكوكايين، فيما ديزي، هو رمزُ ما يُعدّ آخر مدرسة حقيقية في الجاز، أي الـ Be-Bop. وعلاقته بمايلز تقتصر على زمالتهما خلال الفترة التي قدّم فيها مايلز مساهمته في الـ «بي ـــــ بوب» وفروعه اللصيقة.
عاش دايفس حياة صاخبة. ويمكن اختصار مساهمته الموسيقية في العناصر التالية: الصمت، والصوت، والنبرة الخاصة، واكتشاف المواهب. بدايةً، قد يكون عنصر الصمت في الموسيقى أبرز ما استند إليه دايفس للتعبير. رغم براعته في العزف على آلته، فقد أتقن مهارة التخلي عن المهارة! نسمع غالباً منه النوتات المنفردة والمتباعدة، أو الجمل القصيرة التي تفصل بينها مساحات سكوت. هذه المسألة وصفها كبار المؤلفين القدامى كلٌّ على طريقته، أما مايلز، فقال: «لماذا نلعب الكثير من النوتات طالما يكفي أن نلعب الأجمل بينها؟».
وقد يكون البحث عن الصوت الجديد وراء اندفاع مايلز نحو التجديد في قواعد الجاز. لذا كان دائم التفكير في طرق استخدام الآلات الكلاسيكية، وفي آليات التناغم وأساليب الارتجال وتوظيف التكنولوجيا ومزج الجاز بأنماط ناشئة، مثل الفانك والروك والراب. هكذا كان الرائد في إطلاق معظم تيارات الجاز ـــــ باستثناء الجاز الحرّ الذي ولِد مع جون كولتراين، ولم يعجب مايلز كثيراً ـــ منذ الخمسينيات حتى رحيله. حتى إنه كان يندفع نحو ابتكارات جديدة قبل أن يصبح آخر ما ابتكره مألوفاً، لكن، قلّما فُهِم قصده من هذه الابتكارات. هكذا قلّده كثيرون وفشلوا، وخاصةً في الفيوجن أو المزج، إذ اختلف قصْد مايلز عن نوايا أصحاب التجارب المماثلة. حاجات مايلز كانت شخصية وصادقة، أما معظم المحاولات المشابهة، فأتت من باب الإيكزوتيكية.
من الصوت العام ننتقل إلى الصوت الخاص، والمقصود نبرة الترومبت عند صاحب Kind of Blue. يكفي أن نسمع مايلز مرة واحدة ـــــ وخصوصاً عندما يضيف السوردين، أو خانق الصوت، إلى الترومبت ـــــ لكي نتعرّف على نبرة آلته في أي مقطوعة جديدة نسمعها. يبدو ذلك بسيطاً، لكن بوجود مئات العازفين يحتاج التمايز إلى إحساس فريد. إلى جانب قدراته تلك، ملك دايفس سرّ اكتشاف المواهب الجديدة، وأحاط نفسه بأسماء كوّن معها أهم فرق الجاز وسجّل عشرات الألبومات، فأصبحت لاحقاً من الرموز التي طبعت تاريخ الجاز الحديث.




جبل كوكايين

في عالم الجاز خصوصاً، نكاد لا نجد رمزاً من رموزه لم يلجأ إلى المخدِّرات على أنواعها، لبلوغ حالات إبداعية، وليس طلباً لما يسمّيه المجتمع «وهْم السعادة». هكذا، قبيل رحيله بفترة وجيزة، يقال إن أحدهم سأل مايلز دايفس عن أمنيته، فجاء ردّه: «أن أدفن رأسي في جبل من الكوكايين». وكما هو معروف، فإن المخدِّرات ــ الكوكايين وغيره من المواد ــ كانت تشكّل جانباً أساسيّاً من حياة هذا الرجل وإبداعه. لكن، على العاملين في حقل الموسيقى أن يدركوا دائماً أن المخدِّرات لا يسعها أن تصنع من أي كان «مايلزاً» آخر. وعلى ذمّة المخرج والممثل كلينت إيستوود في رائعته الشهيرة «Bird»، هذا ما حصل مع عازف الترومبت الأميركي ريد رودني الذي اعتقد أن تعاطيه الهيروين سيجعله بعبقرية صديقه، عازف الساكسوفون، تشارلي باركر!