كتب حسين السكاف مقالة بعنوان «الجندي الأميركي الذي عشق طيور العراق» («الأخبار». 27/ 5/ 2011) أوَّل فيها كتاب «طير العراق» للمؤلف جانثن ترورن ـــــ ترند (دار الجمل ـــــ 2011). نرى أنه تأويل حسنته الوحيدة أنّ له رواجاً في زمننا هذا. ما ذكره في مقالته عن الكتاب يصحّ ـــــ وفق منطقه ـــــ أن يقال عن أيّ كتاب آخر يكتبه أي مؤلّف أميركي آخر، يتناول أي شيء آخر في الشرق الأوسط. ذلك أنّ الأميركي غازٍ معتد قاتل. وإذا بدر منه شيء، وبغضّ النظر عن طبيعته وفحواه، يمكن إفحامه بسهولة عبر تذكيره بصفاته: الغزو والاعتداء والقتل.

ليس مبالغة القول إنّ القراءة الكَلْبِيّة الشاكّة أصبحت مهنة يمارسها كثيرون، لأنّ سوقها مزدهر في أيامنا. ولا لوم في ذلك، لأنّ شدة يأس الإنسان وقنوطه جعلاه يتمنى أن تقع الحرب، حالما أنّ الحرب ستقع لتقتل أربابها كلهم جميعاً. وتبيّن في ما بعد أنّها كانت أمنية ساذجة. على أي حال، في خضم هذا الإحباط، نسي بعضهم ـــــ بل لم يخطر على باله ـــــ أنّه من أجل تشريح «العقلية» الأميركية، يجب تشخيص مكامن القوة الأميركية وتعليلها. والأهم كشف مواطن ضعف العناصر المعْترِكة في البوتقة الشرق ـــــ الأوسطية. ومن أجل تقويم ما جرى ويجري في العراق، وفهمه، يجب تسليط الضوء على التشرذم والاستقطاب والعنصرية الغريزية الفجّة، وتحليل نوازع من لديهم الآن البنادق والدراهم: قيامة نقيمها من أجل محاسبة الذات.
لكن يبدو أننا لشدة خيبتنا وفداحة انكسارنا، طفقنا نرى في كل كلمة تقال رمزاً يحيل على هول عظيم، وفي كل همهمة إشارةً إلى خطب فادح، وفي كل نبْأة علامة على نيّة مبيّتة شرّيرة. مثل أسلافنا الأوائل في الكهوف، إذ كانوا يرون في الرعد والصواعق رسائل ملغّزة من الطبيعة سعوا جهدهم من أجل حلّها واتخذوا التعاويذ كي يبطل شرّها، لكن ما تُفَكّ مغاليقه بالشعوذة هنا، ليس دمدمة الطبيعة وأصواتها، بل صوت الآخر الذي يُكَن له الشنآن. إن لم يكُ الأمر هكذا، فكيف يمكننا أن نفهم أنْ يتكلّفَ السكّاف فيقرأ كتاباً صغيراً عن الطير قراءة سايكولوجية/ جيوسياسية/ عسكرية متعَسّفة، ويجسّ فيه بطريقة «فرويدية» معوجّة ما تخفيه نفس المؤلف الأميركي.
يزعمُ السكاف أن المؤلف جاء مع الجيش الأميركي إلى العراق ليرصدَ ويحصي طير العراق ويشاهد طبيعته، ويذكرُ هذه النقطة ثلاث مرات أو أربعاً في مقالته، كأنّها هي ما يثير امتعاضه من الكتاب والمؤلف. ليس في الكتاب أية إشارة تدلُّ على هذا، فكيف رأى السكاف هذا؟ لا يروي المؤلف ما يرويه عن الطير بصفته متخصصاً في علم الأحياء، وهو ليس متخصصاً، ولا يحاول أن يوحي للقارئ أنه يتابع الطير ويدوّن أسماءها، لكونها مهَمّته التي أتى من أجلها. لا يتناول الكتابُ الحرْبَ، رغم أن المؤلّف محاربٌ مُدجّجٌ، لكنه يرصد مشاهداته للطير، ويخبر أنّه يقوم بهواية ابتدأها على الشبكة العنكبوتية، ثم شجّعه الأصدقاء لنشرها في كتاب. لا يوحي الكتاب بأنّه تدوين لما جرى أو تصوير للحرب أو للتهوين منها. لذلك كل ما جاء في كلام السكاف عن هذه النقطة تحريف وباطل.
يحاول السكاف التمرّن على استخدام مهاراته اللغوية السيمانطيقية، وأثناء ذلك، يمسك بالمؤلف متلبّساً لأنّه استخدم عبارة «خرائب بابل» بدلاً من الاسم المعروف «منطقة آثار بابل»، لكن ما هي الخرائب وما هي الآثار؟ هذه هي تلك، لغة بل حتى اصطلاحاً. عندما يرى المسافرُ والعابرُ والمتجول الطلولَ القديمة وبقايا الأمم السالفة، فإنما يرى خرائب شاخصة لا عمران و لا سكّان فيها وهكذا يسمّيها. وأما الدارس الباحث أو السائح أو مرتاد المتاحف أو المهتمّ بالتاريخ وقصص الحضارات، فيسمّي ما خلّفه الأقدمون آثاراً. بكلمة أخرى فإنّ استخدام المؤلف هذه الكلمة دون تلك، لم يكُ جهداً منه لتصوير ما آلت إليه أطلال بابل بفعل التخريب والإهمال الذي طاولها جَرّاء الحصار والحرب. ليس الكلم طلاسم. القراءة ليستْ نفثاً في العقد.
يرى السكاف أنّ استخدام حرف الجر «من» في قول المؤلف «جندي من العراق» ليس إلا محاولة شعورية أو لاشعورية منه للانتماء إلى العراق بعد احتلاله، والاستحواذ عليه وتملّكه أميركياً. لا أدري، لكني أشك أن هذا التباس حصل بفعل ترجمة الكتاب... لطالما ختم مراسلو القنوات التلفزيونية الناطقة بلغة الضاد تقاريرهم ورسائلهم هكذا: فلان بن فلان من واشنطن. لا يدلّ الحرف هنا إلّا على مكان الوجود. في الاستخدام المعاصر، يقوم الحرف «مِنْ» بما يقوم به الحرف «في» الظرفي، ويُضْفي على الظرف المكاني معنىً اتجاهِياً، أي إنّ ما يأتيك وما تسمعه إنما منشأه ومُبْتدأه من هذا المكان.
في الفقرة الأخيرة، يزعم السكاف أن المؤلف اقتبس معلوماته من كتاب «الدليل الحقلي لطيور الشرق الأوسط» تأليف ريتشارد. ف. بورتر. إن الاقتباس دونَ الإشارة إلى مصدر المعلومة هو انتحال. وبما أنّ جانثن ترورن ـــــ ترند لمْ يشرْ إلى أي مصدر، فالحديث هنا عن انتحال وضع السكاف يده البارعة عليه. السؤال هو أين هو موضع الانتحال؟ كيف تَبَيّن أن المصدر المُنْتَحَل منه هو «الدليل الحقلي لطيور الشرق الأوسط»؟ أليس جديراً بمن يدّعي دعوى خطيرة أن يعرض بيّناته؟ ليس هذا فحسب، وردت في مقالة السكاف، سهواً أو تعمداً، سطورٌ كاملة من الكتاب من دون وضع علامات اقتباس حولها لتبيان أنها ليست مما سطّره كاتب المقالة. والحق أنه ليس في كتاب طير العراق شيء منتحل أو مقتبس.
ليس الكتاب دراسة ميدانية أو بحثاً علمياً أحيائياً. الكتاب عبارة عن يوميات إنسان في مكان غريب يرى فيه طيراً وكائنات، بعضها أليف وبعضها جديد، وكل حديثه هو مثل هذا: خرجت يوم الإثنين ورأيت قُبّرة قرناء تتدلّى في الهواء، وتصْفرُ مبتهجة. أو مشيت في اليوم التالي قرب مَصبّ المياه الآسنة، فرأيت الثعلب ظامئاً يركضُ ويلتفتُ. طالما سمعتُ ضُباحه في ساعات الفجر الأولى.
هذه ليست أمثلة حقيقية مقتبسة لأن الكتاب لا يحضرني في هذه اللحظة، لكنها انطباعي «الموضوعي العفوي التلقائي» عن كل ما في هذا الكتاب البسيط. هكذا ليس هناك من مجال للانتحال. أما القائمة التي وردت في نهاية الكتاب عن الطيور التي رآها، وأسمائها العلمية وشُعَبها، فهي من المعرفة المشاعة، وغالباً لا يُشار إلى مصدرها، وهي متوافرة على هيئة جداول تعين الهاوي والمحترف على تعريفه بما يرى. فإذا ذكر أحدٌ مثلاً في كتاب عام أنّ الإنسان من مملكة الحيوان، شُعبة الحبليات، صنف الثدييات، رتبة الرئيسيات عائلة الإنسان، جنس الإنسان، من دون الإشارة إلى المصدر... لا يؤاخذ عليه.
أخيراً، جدير بالمرء أن يتفكّر طويلاً ويتدبّر ما يقوله ويتَحلّى بالموضوعية ويدرك أن صناعة الكَلِمِ ليست تدبيجاً بل مسؤولية. جاء في الأمثال عن الذي يهرفُ بما لا يعرفُ: من لا يفرّق بين الحنطة والشعير تطول معاناته ويزداد ألمه. الآن هذه رَحَى تَدورُ، فأين عَيْنها من ثفالها؟
* كاتب ومترجم عراقي




طيور بابل

في Birding Babylon الذي عرّبته «دار الجمل»، يسرد الأميركي جانثن ترورن ـــ ترند تجربته في بلاد الرافدين، حيث أمضى سنة كاملة مع ترسانة الاحتلال. رصد الجندي طيور العراق وطبيعته، وقد سجَّل مشاهداته على شكل يوميات، مضمّناً الكتاب بعض الرسوم التوضيحية. وختمه بقائمة تحتوي على 122 نوعاً من الطيور.