قرأت مَرّات في بيروت... وفي المرّات كنت تراجيكوميدياً. في الأولى (من الحُبِّ ما قَتَل)... فلسطين في الأفلام السوريّة. في الثانية (كفاحي) عن مساهمتي في الفساد وتجربتي في استعارة السلطة لإخافَةِ السلطة... لتحقيق نجوم النهار. في الثالثة (عمر أميرالاي)... السخرية من الذات متعة الحياة. وفي جميعها ضحكنا منّي. اليوم... لا حجر للضحك. لا مكان للضحك في ظلّ الديكتاتوريات... ولا للسخريّة من الذات. ففي المعركة المقدّسة نتّحد ونتوافق ولا نسخر من أنفسنا... نضحّي بالسخرية فنخسر الحريّة.

«السينما في ظلّ الديكتاتوريات» عنوان الندوة التي شاركت بها في «مهرجان كان» الأخير مع كوستا غافراس والسينمائي الإيراني رضا سركانيان.
لا مفرّ من غواية التأمل بموقع ومعنى كلمة «ظِلّ» في «ظلّ الديكتاتوريات» أو بـ«ظِلّ السينما في الديكتاتوريات» أو «ظلّ الديكتاتوريات في السينما». «السينما في ظل الديكتاتوريات» هي قصة الصراع الوجودي والخفيّ بيني وبين زميلي الإيراني لحظةَ التوجه إلى المنصة والجلوس إلى الطاولة. فقد حاول كِلانا، أخي الإيرانيّ وأنا الالتصاق بكوستا، مدركاً أن الصورة الفوتوغرافيّة التي ستنجم عن الندوة هي الدرع الواقية... وأنّ كوستا هو القبّة الفولاذيّة. على الدرج، فعل زميلي الإيراني كلّ شيء من أجل شعبه وصولاً إلى زرع كتفه بيني وبين حبيبي غافراس. بدا كأنه يرجوني... يطلب يد غافراس منيّ. كأنه يقول إن وضعه أصعب وإنّ الباسيج أظلم. وإنَّ بناهي محكوم. وكنت أبتسم له وأنفخ في وجهه عدد الشهداء السوريين.
كنتُ بين هلاكين. الأول: من هو هذا الغافراس لأحتمي بصورته؟ والثاني من هو هذا الإيراني ليأخذ «غافراسي» مِنّي؟ حين جلس المُخرج الإيراني بيني وبين غافراس في الصورة... فاجأتهم وخرجت منها. نهضت وتحركت على الخشبة، وتوقفت، وتَكلمت وتقدمت حتى الحافة وعلى حافةِ الحافة. صرت ممثلاً للشعب السوريّ.
في العدسة، صرنا كتلتين. إحداهما «نِيتّ» والأخرى «فلو» أو الواحدة في ظلّ الأخرى.
اليوم في ظِلِّ بيروت وبعد حُزيرانين. الرابع من سمير والخامس منه. أقتطع من وقتكم نصين مقتضبين. الأول رسالة من وئام عَمَاشة. والثاني مِنِّي إليه، شاكراً الدكتور أحمد بيضون، مرحباً بالسينمائيّ السوريّ أبو نضارة، ومتمنياً لكم العودة بسلامة إلى أحبائكم.
(1)
بيان إعلان إضراب وئام عماشة الأسير السوري في المعتقلات الإسرائيلية:
«رسالة محبة وتضامن الى الشعب السوري العربي السوري. والى كل الأحرار ومناضلي الحرية العرب.
غداً في الرابع والعشرين من أيار، أعلن ومن داخل زنزانتي في السجون الإسرائيلية الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ما يمارسه النظام السوري من اعتقال تعسفي وسفك دماء السوريين العُزل وصل حد المجازر الجماعية. وتضامناً مع المحتجين ودعماً لمطالبهم بالحرية والكرامة الوطنية... وذلك انطلاقاً من قناعتي الراسخة بأنّ الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية والانتقال السلمي للسلطة وبناء الدولة المدنية الحديثة لهي أهم توازن استراتيجي يمكن أن تحدثه سوريا على الإطلاق في مواجهة تحديات العصر، وفي مواجهة العربدة والبطش الإسرائيلي لاستعادة الأراضي العربية المحتلة.
«إني أدعو كل الأحرار من شبان وشابات صناع الربيع العربي للوقوف إلى جانب شعبنا السوري وإسماع صوتهم في ظل صمت عربي رسمي مطبق.
«والى الأهل في درعا والقامشلي ودمشق وحلب وحمص وحماة وبانياس. والى كل مدينة وقرية في الوطن السوري الحبيب، أوجه رسالتي هذه وأقول: «كما أنّ الوطن والحرية والكرامة لا تتجزأ، فإن النضال والقيم النضالية لا تتجزأ. نضالكم نضالنا، ودماؤكم دماؤنا. وبتضحياتكم نحن أقرب إلى الجولان للتحرير من المحتل أكثر من أي وقت مضى، فتحرير الأوطان من حرية مواطنيها.
الأسير السوري من أبناء الجولان السوري المحتل».
وئام محمود عماشة
معتقل الجلبوع 23 (أيار) 2011
(2)
أخي وئام.
منذ أيام، أكتب لك ولا أكتب. كنت عاجزاً عن وصف البطولة بالبطولة والشجاعة بالشجاعة فخرسْت.
أنا أتكلم معك كلّ يوم. أتعرف إليك بطريقة غريبة. أنت معي ولست معي. منذ أيام، أصبح لك غلاف من الفراغ والهواء واللون والصوت يلفّك قريباً منيّ.. في الحركة وفي الثبات. بيني وبينك مسافة تنفس مفتوح ومغلق. أريد أن أتمّ رحلتي معك إليك. قرّرت ألا أقرأ عنك... هذا تخلّف ربما. لكن لم لا؟ لم لا أستطيع فكّ شفْرة المسافة والحدود نحوك بقوى خارقة. هي قوّة روحك أنت. وئام سورية وقلب سوريا ومكثّفتها الجامعة.
وئام الحريّة... حريّة الحريّة.
البارحة في ساعة من الفجر. بين النوم واليقظة. أحسستك ترنُّ جرس المكان. ورأيتك في هالتك الزاهدة تسري في اللحظة. رأيت أنني معك. كان غبش الفجر يرسم خطوطك. أحسست أنّ المكان زنزانة. لم يكن للزنزانة جدران. كان الوهج جدرانها. وجدتك تجلس متربعاً صامتاً... وكنت معك قربك.
أراك ولا أرى صورتي. تأملتك مليّاً مليّاً أحاول العبور إليك. رأيتك شاباً وقوياً ورأيت الغبش والضوء يلفّك بهالة أدركت أنها عباءة استعارها المنام من شيخ جليل لا أعرفه. ثم لم نتكلم. وفي المنام، أحكم المنامُ قوّته فلم أستطع الحركة. أنت الذي استطاع الحركة.
هكذ. ببطءٍ وهدوء، نهضت كتفاك إلى الأعلى وانفردتا وانشدّتا. ثم التفّت كتفاك وجزعك ورأسك سنتمترات نحو اليسار حيث مكاني الافتراضي في المنام. وبعد صمت. وصمت. وصمت... وصمت رأيتك تبدأ ابتسامة خفيفة نبيلة.
أنت تمنح حياتنا حياة وإنسانيتنا إنسانيّة، نحن أبهى وأجمل بك، أخي المواطن السوري. الحر. المحرِّر. أنتَ الذي طوّعَ الزمن والمسافة والمعنى. سوريّتنا أنت. تخرج إلى ضوئها بضوئك. غداً في مثل هذا الوقت، سأضمّك وأمسح دمعتي بعباءتك أيّها البطل. إنني أبكي، ليس مجرد بكاء، أنا خائف. خائف من معرفة الخوف. خوف اللحظات الأخيرة التي عاشها حمزة الخطيب وهاجر الخطيب وكلّ سوريّ وسوريّة اجتاح القتل وجودهم. أهرب من المعرفة وتمسك بي، فأتمسّك بقوّتك وبنبضات قلبك. أخي وئام.