الذهول الذي أصابَ محبّي مرسيل خليفة، كان إمّا برغبةٍ قويّة في الاستماع إلى الغناء والموسيقى التي انحفرت في وجدانهم عبر سنوات الثورة والثورات، أو باعتراض عند البعض الآخر على إرث غنائي وموسيقي بقي بلا تجديد، ولا ابتكار. وهذه هي فحوى لقاء قديم وسجال عالي الحرارة جمعني بمرسيل ومحمود درويش في عمان قبل أكثر من عشر سنوات، عندما كان رامي وبشار لا يزالان ينهلان من نبع الأب. ويبدو أن النزاع والحوار هو نفسه قد انتقل إلى بيت خليفة بعدما اشتدّت ضراوة التفتيش عن لذّة الموسيقى ومعناها. رامي وبشار يحترمان إرث الأب، لكن يقودانه إلى تجريبات جديدة قاما بها هنا وهناك، في دول عربية وأوروبية أكدت انصرافهما الجارف نحو التجديد، من دون التنكّر لموروث مرسيل الذي تشكّل عبر سنوات طويلة من الكد والبحث. إن حفلة «مهرجان بيروت للموسيقى والفنّ» التي أقيمت مساء السبت، طغت عليها روح التفجّر، فإذا بنا أمام موزاييك إبداعية تنطلق من فتوّة شابين مسكونين بتهديم قلاع موسيقية عربية... قلاع وجداها جاهزة وثابتة تحتاج إلى هدم، خصوصاً أن هذه الموسيقى التي اعتمدت على قامات موسيقية من سيّد درويش إلى الرحابنة، سرعان ما انزلقت تحت ضغط السوق والتسويق إلى رطانات خالية من أي تجديد يذكر. لعلّ المرونة والشهيّة عند مرسيل خليفة وبشار ورامي، في فتح الباب أمام تمارين الحوار والبحث عن مبتكر غنائي وموسيقي، عبّدت أرضاً خصبة لانفلات عفاريت الموسيقى التي تسكن بشار ورامي، وكانت النتيجة أمسية مميزة كالتي شهدناها. كان عرضاً متفجّراً، مبتكراً، حارّاً، حتى لو كان في بعض مفاصله على درجات تستعيد بين النصوص الغنائية القديمة، وبين تقنيات المبنى الموسيقي الحديث. لكن في كل الأحوال، كان الاشتباك بين الأب وأبنائه يؤسّس لثلاث نبرات... ثلاثة شلالات عارمة تصبّ في مجرى نهر موسيقي حديث، وجدير بالتأمّل والحوار والاختلاف، من أجل المضي أبعد في حفريات موسيقية غنائية، وتضع التجربة الجديدة على نار حامية، تؤسس لمشهد مرتقب للنهوض بفن عرض موسيقي ربما... لأوبرا عربية عالية الحفر في الموروث، المجرور إلى سكك مغايرة. لكنها متفرّدة وخصبة كما حصل في حفلة النار الموسيقية، كحصانين نافرَين، جامحين، وقائد يعرف كيف يجر العربة نحو حداثة مغامِرة نحتاج إليها جميعاً.


* مسرحي عراقي