في عام 1993، سحب الأمن العام اللبناني كتاب عبده وازن «حديقة الحواس» بعد ستة أشهر من صدوره عن «دار الجديد»، بحجة أنّه «يصف العملية الجنسية بشكل فاضح وإباحي». أقلّه، تلك كانت الذريعة المعلنة. أما السبب الحقيقي لتحرك الهيئة الرقابية، كما يحدّده الصحافي والشاعر اللبناني اليوم، فهو أن «إحدى المرجعيات الدينية رفعت تقريراً إلى الأمن العام تطالب فيه بسحب الكتاب من السوق».

اليوم، بعد 18عاماً، وجدت القضيّة مكانها في سجلّ معارك حريّة التعبير في لبنان والعالم العربي، وكان يخيّل للجميع أن الملف قد طوي نهائيّاً. لكن ها هو الكتاب الملعون، يعود فجأة إلى الواجهة... بفضل رجل دين! «مفارقة عبثية» يقول وازن الذي أصدر بياناً شرح فيه حيثيات المسألة: «تلقيتُ من «دار نعمان للثقافة» كتاباً للأب سهيل قاشا بعنوان «أنا والكتابة» كان الفائز بجائزة الدار لعام 2011 (جائزة الأديب متري نعمان للدفاع عن اللغة العربية وتطويرها). وفيما كنت أتصفح الكتاب، فوجئت بأن صاحبه أورد حرفياً مقاطع كثيرة من كتابي «حديقة الحواس». بل لم يتوانَ عن نشر مقطع كامل كنت قد نشرته على غلاف العمل».
طبعاً، المفارقة مزدوجة، لا تقتصر على أنّ المتهم بالسرقة الأدبية رجل دين خصّص فصلاً كاملاً من كتابه بعنوان «الكهنوت والكاهن» عدّد فيه فضائل الراعي الصالح. بل تتعدى ذلك لتطاول هوية النص الذي يدور في فلك الحواس. في ذلك المجال، ولتفادي الوقوع في «التجربة»، أو الانزلاق إلى أحابيل «الخطيئة»، لعب الأبونا لعبة «بازل» مسلية جاءت على النحو الآتي: نسخ المقاطع الممتدة من الصفحة السابعة حتى الصفحة 67 من كتاب وازن، وأدرجها في الفصل الأخير والأطول من كتابه الذي منح للعمل عنوانه، ويمتد من صفحة 39 حتى صفحة 61. لكن خلال عملية النقل تلك، كان لا بد من تطهير «أخلاقي» للنص: هكذا، استثنى الأب قاشا المقاطع التي يناجي فيها وازن جسد العاشقة الغائب، مستحضراً رائحته وملمسه وتفاصيله الحسية. وأجرى الأب تعديلات على بعض الجمل. وإذا بجملة وازن التي وردت في سياق الحديث عن لحظة العجز الإبداعي «كنت قد فقدت عادة الكلام وسقطت في عادة الجسد» تتحوّل إلى جملة طهرانية. إذ كتب قاشا أنّه بعد فقدانه عادة الكلام، سقط في عادة... الصمت!
في السياق ذاته، تصبح جملة مناجاة المعشوقة «أكتب الآن كي أحميها من الموت»، جملةً في مناجاة الذات «أكتب الآن كي أحمي ذاتي من الموت» عند الأب قاشا. علماً بأنّ المعني كاتب عراقي (1942)، متخصّص في التاريخ الإسلامي، يدرّس هذه المادة ومادة التراث العربي المسيحي في «معهد القديس بولس للفلسفة واللاهوت» (حريصا)، ويبلغ رصيده ما يزيد على 80 كتاباً. ويحمل سجله سابقة أخرى في مجال السرقة الأدبية فضحها الباحث العراقي رشيد الخيون على صفحات صحيفة «الشرق الأوسط»، إذ حكى يومها عن انتحال الأب قاشا لمقدمة كتاب الخيون «معتزلة البصرة وبغداد» (1997) في كتابه «المعتزلة» المنشور عام 2010.
«عادة، تحصل السرقات الأدبية بشكل أكثر حنكة وذكاء» يعلّق عبده وازن الذي اكتفى بتسجيل موقف عبر إصداره بياناً يحفظ حقه الأدبي. ولم يرفع الشاعر دعوى قضائيّة: «موقف الدار كان طيباً. لم أشأ تكبيدها أعباء قانونية ومادية خصوصاً أنّها توزّع الكتاب مجاناً أصلاً». وكانت الدار قد أصدرت بياناً عبرت فيه عن «مفاجأتها بالأمر» وأوقفت توزيع الكتاب و«تنتظر جلاء الأمور مع الأب قاشا».
إلا أن جلاء الأمور بين الدار والأب كما يبدو من الحديث المتحفظ لصاحب الدار ناجي نعمان، اقتصر على سحب الكتاب. يقول نعمان لـ«الأخبار»: «سحبت الكتاب بناءً على طلب وازن، وسألت الأبونا عن القضية فأعطاني تبريراً. انتهى الموضوع هنا». لكن لا حديث ولا تلميح عن سحب الجائزة. بالنسبة إلى الأبونا أيضاً، يبدو الأمر منتهياً. في اتصال مع «الأخبار»، اكتفى بالقول بنبرة حاسمة: «ليس هناك من قضية. الأمر انتهى ولا أحتاج لذكر اسمي هنا وهناك في الإعلام». هكذا انسحب الأبونا من «حديقة الحواس»... ربّما كانت هذه الضجّة مناسبة كي يستعيد عبده وازن تجربته الإشكاليّة القديمة.