عندما وصلني نبأ وفاة الشاعر الغنائي السوري عمر الحلبي عن تسعين عاماً، خطرت في بالي أغنيته ورفيق شكري «بالفلا جمال ساري». لم أترك أحداً من أصدقائي إلا أخبرته بقصّتها الممتعة، وأوردها هنا في حوار أجري معه عام 2007 والقصّة كانت عام 1942: «دعاني أصدقائي لقضاء أسبوعين في درعا. كان والدهم مدير مالية هناك. ركبت القطار في طريقي إلى درعا. ومن الشباك، راقني منظر سهول حوران، والشمس تلملم جدائلها نحو الغروب. وفي تلك اللحظات، مرت قافلة جمال، فاستوحيت من هذه المناظر الجميلة مطلع أغنية «بالفلا جمال ساري»، وأتممتها في درعا وأرسلتها بالبريد إلى رفيق (شكري) رحمه الله. وبعد 20 يوماً، رجعت بالقطار نفسه. ولما وصلت إلى محطة الحجاز، نزلت وتخطيت المحطة ونزلت على الدرج المؤدي إلى الطريق العام. وهناك فوجئت بعمال التنظيف ينشدون الأغنية التي أرسلتها إلى رفيق شكري، وهكذا بدأت معه مشوار الأغنية السورية».

هناك جملة يذكرها كل من درس في كتب اللغة العربيّة في الخمسينيات في سوريا: «سافر قطار درعا». يبدو لنا الآن أنّ قطار درعا أنهى سفره. كانت «بالفلا جمّال ساري قلت رايح فين... يا ناري ع المحبوب يا ناري قايدة في الجنبين» أوّل أغنية لعمر الحلبي. من هناك، بدأ ولم يتوقف عن الكتابة للكثير من روّاد الأغنية السوريّة كنجيب السرّاج، ومحمد محسن، وسهيل عرفة، وصباح فخري وعبد الفتاح سكر... والأخير انتقل بفهد بلان إلى مكانته المرموقة التي احتلها في ذلك الزمن المليء بنجوم الأغنية العربيّة من العيار الثقيل يداً بيد مع عمر الحلبي.
ويعزو الحلبي في الحوار نفسه ضعف الأغنية السورية إلى هجرة الأصوات وإهمال التلفزيون السوري للزمن الذهبي لهذه الأغنية في أرشيف الإذاعة. أعتقد أن تراجع الأغنية السورية منذ زمن الأسماء الواردة أعلاه إلى اليوم ـــــ عدا الأعمال التي لم تكن على أثير إذاعتنا يوماً مثل تجرية سميح شقير المميّزة ـــــ سببه الرئيسي واضح: الأغنية لا يمكنها إلّا أن تكون انعكاساً لمستوى الحياة في البلد، بكل ما فيها من حرّية في الاختيار والتعبير والاختلاف والعيش الكريم.
لا تفوتني هنا انطلاقة فيروز من إذاعة دمشق حيث سجّلت أوّل أغنية اشتهرت بها وقتها «عتاب» للأخوين رحباني، وكان هذا في بداية الخمسينيات، حين لم تكن لسوريا كنية أو عائلة. كانت كنية السوريين وبيتاً لجميع عائلاتهم. عمر الحلبي. ترى، إلى أين يذهب الجمّال اليوم؟ والنّار مشتعلة فوق سكّة ذلك القطار الصّدئة، ومحطّة الحجاز متّكأ لعمّال يبحثون عن أثير إذاعة دمشق. أتمنّى لذوي الشاعر عمر الحلبي الصبر والسلوان، ولإذاعة دمشق الشفاء العاجل.

* موسيقي من الجولان السوري المحتل