ثلاث روايات متتالية وضعت اسمه قيد التداول. قبل اقتحامه المشهد الروائي العربي، كنّا نجهل تماماً وجود رواية أريتيرية، لكن حجي جابر (1976) لديه ما يقوله عن هذه الجغرافيا المنسيّة. ظهر اسمه للمرة الأولى عبر «سمراويت» (2012) التي حصدت «جائزة الشارقة للإبداع»، وتلاها بـ «مرسى فاطمة» (2013)، وها هو يطرح روايته الثالثة «لعبة المغزل» (المركز الثقافي العربي) بجرأة سردية لافتة. عدا إماطة اللثام عن بيئة مجهولة عربياً، يسعى هذا الروائي الشاب إلى تقنية روائية مبتكرة، تجد في «مِغزل الصوف» موازياً لتناسل الحكاية دائرياً.


وتالياً، سوف يدور المغزل بين أصابع الجّدة بالإيقاع نفسه الذي تروي به حكاياتها للحفيدة، وبالمهارة نفسها. هذه الخيوط سوف تتشابك تدريجاً عبر مرايا متجاورة تسهم في كشف ما هو مخبوء ومزيّف ومتخيّل في تاريخ أريتيريا ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى تحطيم القشرة الصلبة لنصاعة التاريخ المكتوب.
وإذا كانت الحكاية كما ترويها الجدّة محاولة لقتل السأم لدى الحفيدة، وإذكاء خيالها في ترميم ما هو غائب، فإنّ الحفيدة ستجد مفاتيح مختلفة لتفكيك ألغاز لطالما كانت ملتبسة بالنسبة إليها، رغم مهارة الجدّة في السرد. ما أن تلتحق في العمل لمصلحة «دائرة الأرشفة»، هذه الدائرة الغامضة التي تعتني بإعادة كتابة الوثائق عن حرب الاستقلال وأمجاد السيد الرئيس، حتى تكتشف حجم تزييف الحقائق، خصوصاً بعد أن تقع بين يديها الوثائق التي تخصّ سيرة الرئيس مباشرة. الوثائق يشرف هو شخصياً على إعادة كتابتها بخطّه الجميل، وشطب كل ما يسيء إلى سمعته، وفقاً لما كتبه رفاق الأمس. هكذا تكتشف الحفيدة، بعد مناورات مع مديرها، من هو صاحب الخطّ الجميل، كما سيدخل طبيب مغرم بها، على خطّ الحكاية بتسجيل أشرطة بصوته، فيما تنشغل هي بإعادة كتابة الحكاية على نحوٍ آخر، بناءً على مخيّلة مدرّبة، كأنها تستعير مقعد الجدّة، لكن من موقعٍ آخر، أو الانتقال من الشفوي إلى المكتوب، ولاحقاً من الورقي إلى الالكتروني.
هذه التحولات في تقليب الحكاية، أطاحت عملياً بالحقيقة المغيّبة، قبل أن تلتقطها الحفيدة في سطور إحدى الوثائق التي كانت معدّة للحرق في فناء دائرة الأرشفة. سوف يذهلها أن أمها التي كانت مناضلة في صفوف ثوار الاستقلال هي ضحية عملية اغتصاب على يد القائد الذي سيصبح رئيساً بعد الاستقلال، وإن الحفيدة نفسها هي ثمرة هذه العلاقة الآثمة، فتقرّر الانتقام من الرئيس. الهوس البصري لدى حجي جابر في رسم مشهدياته الروائية، قاده إلى استعارة تقنيات الصورة في عمارته السردية، حين يضع المشهد الأخير في المقدمة ثم يستعيد الأشرطة السابقة تدريجاً، بعناوين مكرّرة، بقصد تمرير الحكاية على أكثر من راوٍ أو شاهد لتقشير الحكاية مما علق بها من أكاذيب. في موازاة الوثيقة، تتوضّح صورة الطاغية بلوحة ترسمها الحفيدة، ثم تقوم بتمزيقها إثر اكتشافها حقيقته المرعبة.
العبث بالحكاية موشورياً، والتمرينات على الكتابة والمحو، أو الإضافة والحذف، درس أوّلي في تحطيم اليقين، وإشارة صريحة إلى زيف كتابة التاريخ الذي يكتبه المنتصرون، فيما يغوص الأبطال الحقيقيون في النسيان.
لذلك، حين تقرّر الابنة اقتحام موكب الزعيم للثأر منه، تنتهي حياتها بفجيعة، كما حصل لأمها تماماً، في لعبة مغزل سرمدية لا تضع في اعتبارها مكاناً للحقائق، أو حيزاً لفك «طلاسم الوثائق». على الضفة الأخرى، يذهب السرد عميقاً في فضح القبح مقابل الجمال، وسطوة الأخير في هتك البثور، رغم محاصرته من الجهات كافة، فجمال الحفيدة يفتح الدروب أمامها كي تفضح أسرار صناعة الأبطال المزيّفين بسطوة «فضيلة الحكي» وحدها، وكتابة التاريخ على نحوٍ آخر يزيح الحجاب عن وهم المجد لمن لا يستحقه. خصوصية هذا الروائي الاريتيري إذاً، تتمثّل في مهارته في اللعب السردي واستثمار مخزونه البيئي من جهة، وقدرته على طهي أعمال روائية مشابهة تناولت سير طغاة في أمكنة مختلفة من العالم، أو كما يقول في حوارٍ معه «دلفتُ من باب الحكايات، وخرجتُ من باب التأريخ».