هواء مخنوق برائحة دم طازج تتسرب من الضواحي إلى عمق العاصمة. أصدقاء بالجملة خارج التغطية، يغيبون يوم الجمعة عن حركة المركز بسبب الحواجز، وعن شاشة الإنترنت المتوقفة عن الخدمة مؤقتاً. الحياة الثقافية شبه معطّلة هنا. ملصق ضخم يغطي واجهة مسرح الحمراء بعنوان «فاوست» للمخرج هشام كفارنة. الصالة شبه خاوية، وعلى المسرح هناك من يعقد صفقة مع الشيطان، في هذه اللحظة الملتبسة التي تحتاج إلى خيميائي حقاً لتفسير ما يحدث.

في مقهى الروضة، وسط دمشق، تتسرب الشائعات، والشائعات المضادة عن معنى الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ تسعين يوماً. هناك من يصف ما يحدث بأنه ثورة، لكن قناعاته تهتّز، عند أول منعطف في السجال لغياب الوقائع الدامغة، وغبش الصورة. ليس هناك تصوّر واضح لدى أحد، عمّا سيحدث غداً. مقالات أدونيس (الصورة) الثلاث عن الأحداث، لها حصة في السجالات الدائرة. يختزلها أحدهم بأنها شهادة مواربة ومراوغة، وآخر يرى أنها شجاعة. مندوبة إحدى المحطات التلفزيونية المحليّة، تقتحم المكان، لاستجلاء آراء الرواد، في مسعى محموم منها لتأكيد «المؤامرة».
محمد ملص اضطر إلى «تزوير» تاريخ سيناريو كان قد بدأ كتابته قبل الأحداث، فبدّل عام 2005 إلى عام 2011 من دون خسائر تُذكر. السيناريو، كما يقول، يرصد حالة تقمّص لفتاتين من طائفتين مختلفتين. تموت الأولى، فتتقمص روحها الثانية وتكمل مسيرتها، لتشهد اللحظة الراهنة بكل تراجيديتها. هكذا أزاح جانباً مسودة رواية كان يكتبها عن الحب، ليعيد ترميم السيناريو المؤجل. يقول بمزيج من الإعجاب والدهشة: «لماذا يذهب شاب إلى الانتحار من دون فلسفة تقوده إلى ذلك؟»، مقارناً إياه بالـ Hara-Kiri الياباني.
على صفحته في الفايسبوك، يضع خالد خليفة غلاف روايته «مديح الكراهية» التي صدرت للتو بنسختها الفرنسية عن «أكت سود»، وجرى تجاهل صدورها إعلامياً. الرواية تستعيد حقبة الثمانينيات العاصفة، وما شهدته من مواجهات بين السلطة والإسلاميين، إلى تأريخ صعود حزب البعث إلى السلطة خلال أربعة عقود من التاريخ السوري. المثقف العمومي غائب عن الساحة، لعله في حالة احتضار. هناك من يحضر بزخم على الفايسبوك، مواكباً الأحداث، لكن بالبيجاما!