كتابة رشيد الضعيف (1945) ليست جميلة بمعيار قارئ كلاسيكي تشدّه اللغة البلاغية المليئة بالصور والمجازات، ويريحه أسلوب التداعي السردي ذو الحبكة التقليدية المقنعة. النص عند هذا الكاتب اللبناني الذي هجر الشعر وتحوّل إلى الرواية مع «المستبد» (1983)، يدير ظهره لجماليات اللغة وتفخيماتها الإيقاعية. ينصرف إلى لغة دقيقة واقعية، تخرج من الأفواه لا من القواميس، من اليومي لا من البلاغي، لتصيب هدفها في الوصف والشرح باقتضاب، بتكثيف يخلو من الحشو المجاني والزوائد المضجرة. كل ذلك يجعل الطريق سالكة أمام النص الضعيفي ليتدفق بحرية، ويدخل بسهولة عالم البديهيات، فيتوقف عند المهمل منه ويعالجه بذكاء ورهافة.

في روايته «تبليط البحر» (دار الريس) التي يوقعها مساء اليوم في مقهى «سيتي كافيه»، يعود الضعيف إلى بيروت القرن التاسع عشر... عصر الرومانسية القومية وأحلام النهضة. يسرد حياة فارس الهاشم، وهو شاب لبناني يحلم بأن يصبح طبيباً، كي يعالج أبناء وطنه الذين تفتك بهم الأمراض بسبب جهلهم وسيطرة الخرافة عليهم. يسافر فارس إلى الولايات المتحدة، بعدما قرّر مغادرة الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان يدرس، نتيجة صراع بين المحافظين والليبراليين من المرسلين والأساتذة الأجانب حول نظرية داروين، وموقف الدين الرافض لها. فارس ينحاز إلى فريق الدكتور لويس المدافع عن النظرية ومتبنيها. فيما صديقه جرجي زيدان يُفصل من الجامعة على إثر الحادثة ذاتها، ليذهب إلى مصر وتأخذه مهنة الصحافة فيؤسس مجلة «الهلال» الشهيرة.
لا يستلهم الضعيف شخصياته من التاريخ كما فعل في روايته «معبد ينجح في بغداد» (2005) التي استوحى شخصية بطلها من زمن المغنين المشهورين في العصر الأموي، كما نقله كتاب «الأغاني» للأصفهاني. في هذه الرواية، ثمة محاولة لتجريد الشخصيات من تاريخيتها، وجعلها أقرب إلى الراهن: ليس فقط لجهة المشكلات التي يعانيها فارس وبقية الشخصيات كالهجرة والفقر والبحث عن الطموح، وهي ذاتها التي يعانيها شباب اليوم، بل لجهة السياقات التي تعيشها الشخصيات والتصرفات التي تمارسها.
لا يشعر القارئ بالمسافة الزمنية التي تفصله عن الأحداث، إذ إن الضعيف لا يركّز مثلاً على شخصية جرجي زيدان النهضوي اللبناني الشهير، بل يمنح فارس الهاشم الحصة الأكبر من السرد. البطل هنا ليس دوماً من نعرفه ونتغنى بإنجازاته، قد يكون من نجهله وقدّم الكثير من التضحيات على غفلة منّا. فيما التاريخ لا يعيد كتابة نفسه، بل إنّه لم يكتب أصلاً من وجهة نظر الناس العاديين والبسطاء، حيث المصائر المهملة والحيوات المغيّبة. وهذا ما يحاول الكاتب أن ينبش في تفاصيله وتحولاته من خلال شخصية فارس الهاشم.
يستفيد صاحب «تصطفل ميريل ستريب» من أدب الرحلات، لينتقل السرد المكثف والمدهش عنده بين ثيمات عدة: العلم والحب والصداقة والسفر والطموح... ونقف هنا عند حادثة لافتة في سياق السرد، تتعلق بعملية تشريح الجثث التي يقوم بها طلاب الطب في الجامعة الأميركية خلال تدرّبهم على مادة التشريح. كلما مات أحد سكان المدينة اختفت جثته، إذ يقوم الطلاب بسرقتها من المقبرة واستخدامها في دراستهم، ليصاب سكان المدينة بالرعب ويتولوا حراسة جثث أقربائهم. أما فارس فيقدم بمساعدة زملائه الطلاب على سرقة جثة عمته لتشريحها، معتبراً أنّه يقدم بذلك خدمة للعلم والمعرفة ويسهم في بناء وطنه وتقدّمه.
في نهاية الرواية يقرر فارس العودة إلى وطنه، بعد مكوث طويل في الولايات المتحدة الأميركية حيث أصبح طبيباً شهيراً، يأتي المرضى إليه من مختلف الولايات. يقع فريسة ما كان يقوم به، إذ يموت وهو في الطريق إلى ميناء بيروت، فتصرّ زوجته الصينية التي تزوجها قبل وقت قصير من عودته، على تسليم الجثة إلى أهله. إلا أن الجثة تتعرض للسرقة من الميناء على أيدي طلاب كلية الطب في الجامعة الأميركية، ليستخدموها في درس التشريح داخل مختبرات الجامعة. تصرخ زوجة فارس وتبكي في حضن والده منصور، فيما يفشل سعد الدين الجباوي الضابط في الشرطة وصديق فارس القديم في استعادة الجثة التي عبثت بها مشارط طلاب الجامعة الأميركية.
بين ولادة فارس الهاشم، وسفره وعودته وتشريح جثته على أيدي طلاب كلية الطب، تتوالد الأحداث والشخصيات والتفاصيل. يمرّ رشيد الضعيف خلالها بشوارع بيروت وساحاتها، يتسلل إلى تفاصيل المهاجرين ومعاناتهم، ومواقف العنصرية التي يتعرضون لها. مثلاً، يدخل فارس إلى السجن بسبب علاقة حب تربطه بفتاة أميركية، يرفض أهلها هذه العلاقة ويدبرون له مكيدة، ليضعوه وراء القضبان.
صحيح أن الأحداث تجري في القرن التاسع عشر، لكن ذلك لا يمنع صاحب «أوكي مع السلامة» (2008) من الشغل على صناعة المتعة، في هذه الرواية أيضاً. المضمون والزمن والشخصيات تذوب في أسلوبية مسلّية تتنقل بسلاسة بين الأحداث وتصوغها ببراعة... إلى درجة أنّنا قد نشعر بأنّ رشيد الضعيف يكتب في التاريخ وهو خارجه، تماماً كما يكتب في الأدب وهو خارجه، من خلال أدوات وآليات خاصة تميّز تجربة هذا الكاتب الذي يمتهن المغايرة والاختلاف.

يوقّع رشيد الضعيف روايته هذا المساء بين السادسة والتاسعة، في مقهى «سيتي كافيه» (بيروت).
للاستعلام: 01/802286