لا تلخص قواعد المنطق بحث بسام النعماني «الحرب والسلم في لبنان/ ١٩٢٠ - ١٩٩٠». التلميح إلى لذة القراءة، إفراط. لأنّ الكتابة الأكاديمية، ذات صور فنية عالية، وهي تخوض في تعقيدات لبنان، الدولة، بين المحطات الكثيرة. محطات لا تختم نصاً، حتى تفتح على نص آخر. تشفيف كبير، بحركة الكتابة والصورة والتناسق والصنعة والأسلوب والموقع والمجال والمعنى والنغمة والعلاقات السياسية والإجتماعية والإنسانية.


ثمة علاقات، شبكة علاقات بالأحرى، بين الموضوعات، بحيث يتزاوج القصد بالتعبير، بواحدة من الدراسات الأكاديمية القيمة، الخارجة على الترف والمترف، على الرفاه والرفاهية، بصالح كتابة التاريخ، الجيوسياسي، لدولة، لا تزال أطوار تكويناتها، على المحك، لأنها قامت على الستاتيكو الإقليمي الدولي. تثبت إذا ثبت وتهتز إذا اهتز. هذه واحدة من خلاصات البحث، الدراسة، القارئة في جوانب الحياة المادية والمعنوية، في كتاب يؤكد باستمرار أن لبنان قام على الحضور أولاً. ضرورة الحضور. ثم الشراكة. السلوك والتعامل الاجتماعي والمعرفة والإبداع والصداقة والحب والكره والعنف. مواصفات تأخذ النهج والمعنى إلى آخر الأفاق، بروح لا تُطلِّق الروح الأكاديمية، وهي تتمتم بالتمايز عنها في تردادات، تحيل البحث إلى حقل من المعارف.
طراوة في الأسلوب وتناغم بين الأكاديمية والكتابة ذات المعاني غير المجردة، المتجردة. سعة الحضور ـــ تقود الباحث ـــ إلى سعة الكتابة. ذلك أن الكتابة عند بسام نعماني، كتابة مظهر وحركة وعمق. أناقة الحركة واضحة، بين الحقبات الدموية في تاريخ لبنان والحقبات المستقرة أو شبه المستقرة. لا أعمال رتق. هنا الكشف، لا الانكشاف في لعبة يقودها من قرأ في أحوال اللبنانيين، بين أحلام مرهقة ودماء توزعت كالمزق على منصات التاريخ اللبناني. كل سديم غامض مقروء، في «الحرب والسلم في لبنان»، بعيداً عن وعود العنوان وحده، المرواح بين العامين ١٩٢٠ و١٩٩٠. ذلك أن الكتاب يقفز فوق العنوان، إلى أبراز الأحداث السياسية بعد عام ١٩٩٠ ، بالأخص إغتيال الرئيس رفيق الحريري. إغتيال يراه الكتاب، إجراء تمهيدياً، في استخدام الوسائل المهولة، لإيذاء لبنان وتعريض حضوره وحريته واستقلاله للخطر. من إملاءات الكيانات الدولتية، المنبثقة من تكونات جديدة أو انحلالات، وصولاً إلى إعادة التنظيم المناطقي، المؤثر على مصير الناس في لبنان وبالدول المحيطة. لأن لبنان يتجاوز حدوده، بلعبه أدوراً تتخطى الحدود، وصولاً إلى الدول الأخرى في محيطه، على ما يؤكد الكاتب على مدى المئتين والثلاث والخمسين صفحة، المدعمة بالشواهد والهوامش. تلك المقترحة بدورها، المساهمة في التأسيس المقترح بكتابة تاريخ لبنان، من آخرين. لأن تاريخه ذو سعة تتجاوز آلاف الصفحات. هذه واحدة، من المناطق العقلانية البارزة لدى الدكتور بسام نعماني. هذه من المناطق الأخلاقية، إذ يعتبر أفعاله في كتابه، أفعالاً على أفعال سابقة، تنتظر أفعالاً، تلحق بها، لتعود إلى استعمال المادة/ النموذج، في توافق أو اختلاف ينبغي التوصل إليه، لوقف التخريب اللاحق بتاريخ لبنان، أو الحد منه. ولأن بنية لبنان الطائفية، مضاربة، باستمرار على بناه الكثيرة الأخرى، يستهل نعماني مؤلفه به، مروراً بتأثيرات السياسات الإنكليزية والفرنسية عليه. وهي تأثيرات جبارة، لا تزال تحضر كالضرائب المتراكمة على التاريخ، من خلال المشاركة بالخلق والتكوين ثم، مرور الحرب العالمية الثانية عليه، وتهجير الفلسطينيين من فلسطين وحلولهم بلبنان، ابتداء من عام ١٩٤٨، وبداية ضرب التماسك المناطقي مذاك، وصولاً إلى الحرب الأهلية العام ١٩٥٨، أو اضطراد العداء بين المكونات اللبنانية، على حد المزاعم والتحالفات السياسية الكبرى في المنطقة وتأثر لبنان بها. حلف بغداد، واسهامه بالتغيرات الجذرية للسلوكات السياسية والإقتصادية والإجتماعية الكبرى.
لا روح استهلاك في هذا الكتاب، بحيث يجيره صاحبه لمجموعة أو فئة أو طائفة وجماعة. ذلك أن «التصنيع» السريع للبنان عنده، منذ عقود، يقوم على مسارات ديمغرافية وسوسيولوجية، ذات آليات تمثيلية واضحة لأعضائه من طوائف ومذاهب. وضبط أعمال قادته المنتخبين، لضمان امتثالهم، بالسياسات، ذات المنشأ المصنع لحضور الدولة. لا يترك بسام نعماني شيئاً إلا ويتوقف أمامه، متأملاً، بحدود ما تسمح به دراسة أكاديمية. لبنان، هنا، جزء من القرن التاسع عشر وأجزاء من القرن العشرين، بعدما تمدد حضوره في جميع أنحاء العالم. دولة منبثقة، من تفكك أمبراطوريات سابقة. كيان، منبثق من تفكك الأمبراطورية العثمانية وأمبراطورية القياصرة في روسيا والأمبراطورية النمساوية. دولة، كهذه، لن تكتب لها الحياة، إلا بالخضوع والتبعية لدولة أو لمجموعة من لدول قوية، مجاورة أو بعيدة. المرحلة الشهابية، منظورة في وجودها بمستوياتها ومسافاتها بين تغيرات الإدارة الجذرية ومدة الإنتقال من نتائج الحرب إلى منصات العمل المؤسساتي. في الكتاب، اتفاق القاهرة وشرعنة حضور المقاومة الفلسطينية في الجنوب اللبناني، في إشارة إلى تعريفاته اللاحقة على الأوضاع والعمارة الأهلية اللبنانية. وسيلة من وسائل، أحدثت إرتجاجاً مهولاً، في تفسير القوانين السياسية الدخلية والإستئنافات الخاصة بالتحولات الخارجية، من جراء ذلك. ثم، الحرب الأهلية، والإجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢، مرحلة اغتصاب لبنان بالقوة العسكرية وإطاحة موازينه الداخلية، عبر الكثير من الجرائم الإرهابية أبرزها، مجزرة صبرا وشاتيلا.
لا يجرم بسام نعماني، سوى المرتكبين. لا يحاسب، إلا بلغة، لا تخضع لأي نظام لمحكمة حقيقية أو افتراضية. هكذا، يقدم أدواته، بآمداء التعريفات، الموحية، كتشريع مقترح، لا كسلطة تشريعية. هذه ميزته الكبرى، لأنه إذ لا يتكلم كمندوب في محكمة عدالة جنائية، يرفع النقاب عن المواد الملتهبة في تاريخ لبنان، لأن كشفها، يسهم في عدم انتاج أدوات التفجير مرة أخرى. مؤلف ممتاز، لأنه لا يسند حضوره إلى نماذج قديمة أو جديدة بكتابة التاريخ.