تبدو مجموعة «خيانات الرب... سيناريوهات متعددة» (دار النهضة)، وهي الرابعة لفاتنة الغرة، مدينةً فقط لجزالة اللغة التي كُتبت بها القصائد الموزعة على مقاطع متتابعة. الجزالة عائمة على فصاحة متمادية، ومتانة بلاغية، تكاد ترافق كل استعارة وكلّ كلمة، لكنّ هذا الانطباع الأوّلي ينقشع سريعاً عن ممارسات شعرية تخرق ما يمكن أن يصبح استرسالاً بليداً أو غناءً متراخياً. هكذا، يتحول المعجم اللغوي السخي والمتدفق، إلى جزء من النبرة الشعرية، ويصبح تحميل السطور بما يلزم من استعارات وصور جزءاً من استراتيجية الكتابة. توزع الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا مجموعتها على ثلاثة أقسام، لكنّ القارئ لا يَغفل عن كونها عملاً يتميز بروحية نصية واحدة. في القسم الأول، تهيّئ الشاعرة أنثى قصيدتها لما يشبه الرحلة: «انفضي عنكِ كلما ازداد الثقل غبار من أحببتِ ومن نسيتِ ومن بكيت/ لا تستقيم الرحلة إلا بنار الذاكرة/ دعيها تخرج من مسامك، من أذنيك، من عينيك، من فمك/ من ذاكَ المحتضن سرَّكِ البهيَ (...)


كلما بالصدفة سال أحمركِ، سجّلي ما يُسعفكِ النزفُ عليه/ على حجرٍ مسطحٍ خشنٍ قليلاً من أجل أن يحفظ الكتابة لمن يعبر الدرب بعدكِ/ ليست وصايا لكنهم سيتلقون الإشارة فاحرصي على وضوح كلماتك/ ولتكن فيها جزالةٌ ورصانةٌ كي تؤدي الغرض أكثر».
في السطرين الأخيرين، تكشف الشاعرة بعضاً من عدّتها أو خلطتها الشعرية، قبل أن تتوالى «الجزالة والرصانة» معاً على ابتكار تفاصيل دقيقة وملموسة، لما بدا تمهيداً إنشادياً. تنجح فاتنة الغرّة في استثمار النثر اليومي داخل معجمها غير القابل ـــــ لأوّل وهلة ـــــ أن يحتضن ممارسة كهذه. هكذا، تُفرِطُ في استخدام السرد العادي، من دون أن تفرّط بجودة ما تكتبه. إنها حكاية حب مكتظة بكل كليشيهاتها التقليدية، لكنّ عذوبةً مُعدية وغير مزيفة تنبعث من تلك الكليشيهات المكرورة، وتحوِّلها إلى شعرٍ مقنع.
هكذا، نقرأ: «هذا الغبي قلبي لم تربِّه الصفعاتُ/ العنيد ابن القحبة الذي ركع أمامكَ بعد مناورتٍ عدة»، و:«قل إنّي لم أكن جميلةً بما يكفي/ وجسدي مترهِّلٌ كعربيةٍ/ وثدياي صغيران على رغباتك الجامحة»، ثم:«ادعُني على الأقل إلى فنجان قهوةٍ في المكان/ الذي أخذتَ قلبي فيه من شَعرهِ إلى الأبد». في مقطع آخر، تُستثمر فكرة أن امرأة القصيدة أحبت شخصاً يكبرها في السنّ، فنقرأ سِفاحاً لغوياً مدهشاً: «كنتُ ابنتكَ/ وكنت تراقب حَبْويَ على كفيكَ بصبر صيادٍ/ (..)/ هل كان طعمي لذيذاً يا أبي؟». ثم تخاطب من أنجبت شريكها: «أوجعني بِكرُكِ يا أمَّه». في مقطع آخر، يصبح الشريك أباها مجدداً، وتصبح هي أمه، بينما «الملائكة المسالمون سيغضّون الطرفَ/ عن سِفاحنا».
الاقتباسات السابقة لا تغني عن قراءة الديوان الذي يتسيّده معجم خصب، وتقوده نبرة سيّالة تُشعرنا بأننا أمام هذيانٍ لغوي يُؤمّن نضارة كافية للصور المبتكرة التي تتكاثر فيه. في المقابل، تنخفض الشعرية بطريقة غير مبررة في القسم الثالث والأخير، فنجد صوراً عادية مثل: «أعرف اتجاهات الأماكن كلها/ لكن قلبي يُخطئ الوجهة دائماً»، أو: «هي الخيانة إذن/ طعنةٌ في الروح/ وخواءٌ يترك القلب نهباً للريح والثلج».