دمشق| في العام الماضي، قدّم نضال سيجري المؤتمر الذي عقد لإطلاق أوبريت «يا قدس». يومها، بالغت أسرة العمل في انتقاد الصحافيين إلى درجة أنّ أحد أفرادها اتّهم صحافياً بأنه يحاول إحباط المشروع. وهنا، تدخّل نضال سيجري ليدافع عن الصحافي، فظل صدى صوته يتردد أينما حلّ ليذكّر الجميع بأنه نجم يقدّس الفن بالقدر ذاته الذي يحترم فيه النقد. مع ذلك، هجر مكاتب مديرية المسارح والموسيقى عندما عيّن مديراً للمسرح القومي لأنه لا يعرف أن يكون في مكان تفوح منه رائحة البيروقراطية! الممثل والمخرج المسرحي يقبع اليوم في غرفته في مستشفى «أوتيل ديو» في بيروت، بعدما خضع لعملية استئصال حنجرته. مع ذلك، وجد الوقت والقوة لبعث رسالة قصيرة إلى إحدى زميلاته في دمشق


، قائلاً فيها: «وطني موجوع وأنا أنزف... بلعومي خانني فاقتلعته وأرجو ألا تخونوا وطنكم».
ثم سرعان ما بعث برسالة سلّمها للمسؤولة الإعلامية في جمعية «بسمة لدعم الأطفال المصابين بالسرطان» لورا خضير. «الأخبار» حصلت على نسخة من الرسالة الموجّهة إلى الشعب السوري وجاء فيها:
«عندما يخرجونك من عملية جراحية وأنت تحت مقصّات الجراحين ومشارطهم والبرد هو سيد الموقف (...) يكون البرد الأشد في مكان آخر. (...) أنابيب ملوّنة تدخل وتخرج من كل أنحاء الجسد من دون استحياء أو خجل. ستعرف وحدك يا صاحبي أنك ستقبع في غرفة العناية الفائقة لمدة 24 ساعة. 24 ساعة من الوجع الذي يظهر رويداً رويداً. 24ساعة من الوحدة والعزلة والخوف وملايين الأسئلة المربكة للروح. والعقل خجول لا يريد أن يجيب عن أيّ منها. أنت الآن في مكان يجعلك لا تعرف أين رأسك وأين قدماك، متخبّط كأنك كنت على حلبة ملاكمة ضد ملاكم أطرش لا يسمع الاستغاثة. وأنت طبعاً لا تعرف من الرياضة إلا الشطرنج. ورياضة الشطرنج لا تنفع في حلبات كهذه. ولك الحق وحرية الخيال. ماذا يمكن أن يجري بين ملاكم أطرش ولاعب شطرنج، وكيف سيكون الوضع؟». ثم يستطرد ليصف المكان في حوار متخيَّل فيقول: «المكان الموحش يعتذر منك لأنّه لا إمكان للأحلام هنا، فالكوابيس هي السائدة. وفي لحظة هروب من كابوس يلاحق ذاك القابع في العناية الفائقة، يمر حلم صغير أو ما يشبه الحلم، أو ملاك أو ما يشبه الملاك. ملاك يخرج من بين غيوم بيضاء. يأتي من صوب ضوء بعيد كأنه الشمس. يقترب الملاك ويسأل ما بك؟ لماذا أنت خائف؟ أهنئك، لقد نجوت هذه المرة أيضاً. فبكى الشاب الماكث هناك وقال: ما هي أخبار وطني؟ خذ حصتي من النجاة وأعطها لوطني. فابتسم الملاك وقال للشاب القابع أمامه: أولاً، لا تعلّمنا ماذا علينا أن نفعل، لكن الأهم أريد منك ألا تخاف يا صغيري لأن وطنك في قلب الله». ويختم سيجري رسالته بنداء إلى أبناء وطنه فيقول: «افرح أيها الحالم. افرح أيها المواطن. وطنك في قلب الله. هذا ما قاله الملاك».


هكذا خرج النجم السوري من غرفة العمليات ليسأل في حوارية متخيّلة عن حال وطنه قبل أن يعرف حالته الصحية وموعد مغادرته المستشفى عائداً إلى دمشق كي يكمل رحلته الطويلة التي بدأها في المسرح من «كاليغولا» إلى «سفر برلك» ثم «حمام بغدادي» وأخيراً «نيغاتف»، التي أخرجها للمسرح الجامعي. ظل صديقاً وفياً للخشبة، بل قال مرة في أحد حواراته مع «الأخبار» (راجع عدد 15 ت2/نوفمبر 2010): «إن أحضرتم لي سريراً، فسأنام هنا على الخشبة، إنه بيتي، الرحم الذي منه خرجت ممثلاً. هنا أشعر بالحماية، وعدم الصدأ». وفي موازاة ذلك، حقّق نجومية ساحقة في التلفزيون بلغت ذروتها مع مسلسل «ضيعة ضايعة»، الذي قدّمه إلى جانب باسم ياخور، وحمل توقيع المخرج الليث حجو. هكذا، تحولت شخصية «أسعد» التي جسدها ببراعة فائقة إلى أيقونة في الشارع السوري.
نضال رسم شكلاً جديداً لتقديم الأمسيات والحفلات والمهرجانات، عندما كان يعتلي خشبة «دار الأوبرا» في دمشق في افتتاح مهرجانات «شبابلك» ببنطال جينز ولفحة تلف عنقه وخفة ظل نادرة. كان يتمشى على المسرح ملقياً النكات بحبّ. فإذا به يكرّس نوعاً جديداً من التقديم الخالي من الطقوس الثقيلة والخطابات الرنانة. وأخيراً، وضع نضال يده بيد أبرز المخرجين السوريين، وهو الليث حجو، وأخرج فيلماً تلفزيونياً بعنوان «طعم الليمون» (إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني) يحكي فيه عن زيارة أنجلينا جولي إلى دمشق. اقتصر عمل حجو على التعاون الفني مع الممثل المتجه نحو الإخراج، ثم انقلبت الصورة في مسلسل «خربة» ليكون سيجري المتعاون الفني مع مخرج العمل الليث حجو. لذا، يبدو أنّ سيجري يسير نحو الإخراج بخطوات مدروسة لا تنقصها سوى معافاته والعودة إلى وطنه مسكوناً بهاجس تصيّد الفرح من نسمات الهواء وإهدائه إلى الآخرين.




نحن صوتك

أبدى نجوم الدراما السوريون تعاطفهم مع زميلهم على صفحات الجرائد المحلية، فوصفه دريد لحام بـ«جوهرة الحركة الفنية والثقافية». أما أمل عرفة، فقالت إنّه «يمتلك سراً حقيقياً يحوي طاقة هائلة من الحب والعطاء»، فيما صرح شريكه باسم ياخور : «أنتظر عودته ليكون شريكاً من جديد لكل ما يمكن أن نقوم به لإمتاع الناس وتقديم رسالة فنية نبيلة». أما منى واصف، فقالت: «لا أستطيع أن أنسى نضال بصوته المخدوش والمجروح وهو يدافع عن الوطن»، بينما وصفه عبد المنعم عمايري بأنّه «لا يستكين. فهو يحب الحياة والحياة تحبه. ونحن بحاجة إليه كمخرج». وأخيراً خاطبه أيمن رضا: «لتعلم أنني صوتك، أنا وكل من يحبك».