عمّان | أخيراً، قدّم وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية طاهر العدوان استقالته. وجاءت هذه الخطوة احتجاجاً على «إصرار من داخل الحكومة» على إدراج التعديلات المقترحة على قانون المطبوعات ـــــ الخاصة بالمواقع الإلكترونية ـــــ على جدول مناقشات الدورة الاستثنائيّة لمجلس النوّاب. وأمل الوزير المستقيل أن تفشل هذه القوانين «العرفية» في الحصول على موافقة المجلس. وسجّل في بيان استقالته أكثر من موقف في ما يخصّ القضايا الإعلامية، وكان آخرها الاعتداء قبل أيام على مكتب «وكالة فرانس برس» في عمّان. ورغم أن العدوان هدّد بالاستقالة أكثر من مرة، إحداها احتجاجاً على التجييش والتخوين الذي مارسته بعض وسائل الإعلام، بعد اعتصام 24 آذار (مارس) عند دوّار الداخليّة، إلا أن الاستقالة تأخّرت كثيراً، وفقدت معناها.

وكان العدوان، وهو رئيس تحرير جريدة «العرب اليوم» السابق، قد حاول الحفاظ على وسطيّة إعلاميّة أثناء توليّه للمنصب الوزاري. لكن محاولاته هذه جعلته أقرب إلى «وسيط» بين الإعلاميين والمواطنين من جهة، والحكومة من جهة أخرى. إلا أن التطورات التي يشهدها الأردن منذ بداية العام جعلت الوسطية أمراً غير مقبول ولا مكان له.
لنتخيّل مثلاً أن العدوان لم يجلس إلى جانب رئيس الوزراء بعد أحداث دوار الداخليّة في آذار (مارس) الماضي، وأنّه لم يتبنّ وجهة النظر الرسميّة القائلة بأن تدخّل الأمن كان بهدف «فضّ الاشتباك الذي حصل بين المعتصمين المعارضين والمؤيدين للحكومة». بدلاً من ذلك، لنتخيّل أننا لا نزال ننقل عنه مقتطفات من مقالاته الإصلاحية التي كان يكتبها في جريدة «العرب
اليوم».
هذه الجريدة ساهمت خلال مسيرتها في الكشف عن قضايا خطيرة، كان آخرها الكشف عن وجود المتهم بقضايا الفساد خالد شاهين في لندن. وانتزعت أعلى سقف للحريّة في مشهد إعلاميّ باهت ومنهوب. وهي الجريدة نفسها التي تتعرّض أيضاً لمحاولات سرقة، كانت آخرها محاولة بيعها لمستثمر تركيّ ثري.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ العدوان أرسى أولى ركائز نجاح الجريدة، وذلك بعد إجباره أحد أكبر المستثمرين فيها على توقيع تعهّد بعدم التدخّل في السياسة التحريريّة.
لكن الآن، وبينما يعود طاهر العدوان زميلاً، نستنتج خلاصة واحدة هي أن الرجل علّمنا الكثير يوم كان رأس «العرب اليوم»، وخذلنا عندما حمل لقب «معاليه»، فهل يعود بالثقة نفسها التي اشتهر بها بسبب صراحته ودقّته وابتعاده عن المهادنة؟ ليس مطلوباً من العدوان أن يكون وزيراً ثوريّاً، وليس مطلوباً منه أن يخترق حكومةً تقف على الحياد. المطلوب من الزميل العدوان الآن، مهما كان منصبه التالي، أن يعيد لنا ثقتنا بجدوى الإعلام الأردنيّ.