القاهرة | رغم أنّ الخبراء الاقتصاديين أجمعوا على أهمية مشروع «قناة السويس الجديدة»، لم يعر الإعلام المصري، الموالي منه والمعارض، أي اهتمام لكلام هؤلاء. انقسم الطرفان بين مَن بالغ في الحديث عن النتائج الإيجابية، ومَن خسف الأرض بالمشروع.

الاستقطاب السياسي في مصر والانقسام حول أي مشروع جديد في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، صعّبا التركيز على إيجابيات وسلبيات أي حدث سياسي أو اقتصادي بعيداً عن الآراء المتطرّفة التي ينشرها الإعلام.

آخر مثال على ذلك برز منذ حوالى شهر، ويبلغ ذروته اليوم الخميس موعد الافتتاح الرسمي لـ«قناة السويس الجديدة»، أوّل مشروع دشنه السيسي بعد أسابيع محدودة من دخوله «قصر الاتحادية» في مصر. توقّع كثيرون ألا ينتهي المشروع في موعده، وهو يعاني منذ اليوم الأوّل من مبالغات المؤيدين وهجوم المعارضين، بينما يشدّد الخبراء على أنّه مهم ويساهم في رفع قيمة «قناة السويس» عالمياً، لكن ليس إلى درجة أن يكون نقطة عبور مصر إلى النهضة التي ينتظرها المصريّون وقد فرغ صبرهم. لكن هجوم الإخوان والجماعات المعارضة للنظام الحالي على المشروع منذ البداية دفع بالموالين إلى تضخيم إيجابيّاته، إلى درجة جعلوه يبدو كأنّه سيحوّل مصر إلى عملاق اقتصادي فجأة، الأمر الذي تصاعد أخيراً مع اقتراب لحظة الصفر. نشرت القنوات المصرية مبكرا «عدّاداً» على الشاشة ينبّه الجمهور إلى اقتراب موعد الافتتاح (اليوم)، إضافة إلى عرض سيل من الأغنيات الوطنية سينساها الجميع بعد أيّام طبعاً. أمّا الإعلاميون وضيوفهم، فقد زادوا المبالغات مبالغة وإنشائية غير مسبوقة، وربطوا المشروع الجديد بتاريخ الغزوات الإسلامية والحضارة الفرعونية والتاريخ العسكري المصري.


قال الداعية الإخواني
وجدي غنيم إنّ المشروع أقل حجماً من «طشت أمّه»

هذا الواقع المستفز بدأه أوّلاً الداعية الإخواني وجدي غنيم الذي أطلق تصريحات يؤكد فيها أنّ «قناة السويس الجديدة» أقل حجماً من «طشت أمّه» (وعاء من الألمنيوم يُستخدم في غسيل الملابس يدوياً). وبدلاً من تجاهل تصريح غنيم ومحاولة بعضهم وصف المشروع بأنّه «تِرْعة» و«تفريعة» من أجل التقليل من أهميته، انطلقت المبالغات من الجهة المقابلة. أكدت وزارة الأوقاف أنّ خطبة الجمعة غداً ستقارب بين ما جرى من حفر للقناة الجديدة في عام واحد، وحفر المسلمين للخندق في أيّام معدودة قبل «غزوة الأحزاب»، وهي الغزوة الثالثة للنبي محمد. وخرج هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات والمتهم بميوله الإخوانية ليشدّد على أنّ القناة الجديدة «لا تقل أهمية عن مشروع السدّ العالي وعبور الجنود المصريين إلى خط بارليف في حرب تشرين 1973».
في المقابل، قال خبير عسكري إنّ الرد على من يشككون في حجم المرمى المائي الجديد وعمقه سيكون بتغطيسهم فيه ليتمكنوا من التأكد بأنفسهم. وتزامن ذلك مع مبالغات من نوع آخر تتعلّق بالشعارات المرافقة للحملات الدعائية الرسمية، بينها شعار «القناة هدية مصر للعالم». هناك من قال إنّ القناة غيّرت خريطة العالم، على أساس أنّ العالم كلّه سيشعر بأنّ مجرى مائياً طوله لا يزيد على 40 كيلومتراً كان سبباً في تغيير خريطة العالم في كل مكان.
لم يسلم هاشتاغ #مصر_بتفرح الخاص بالافتتاح من الانتقادات الساخرة، وخصوصاً مع تزايد أعداد ضحايا الإهمال في مصر خلال الشهر الأخير، ومحاولة الإعلام فرض صورة تدلّ على أنّ «مصر بتفرح». هكذا، انطلقت مئات الرسوم والتعبيرات الساخرة من الشعار ومن الفوائد المزمعة من هذا المشروع ومن غيره من المشاريع التي يجب أن تنطلق سريعاً حتى تظل مصر تفرح ولا تعدو الفرحة مجرّد استثناء.