«حكاية حلم زُرِعَ في بغداد، وجاء أصحابه بعد عشرين عاماً ليحصدوا ما بقي منه، فأُحرقوا ببقاياه». هكذا يوجز لنا المصري محمود الورواري فكرة روايته «حالة سقوط» التي أعادت طباعتها «الدار العربية للعلوم ناشرون» أخيراً. رواية أراد مؤلفها أن تكون أرشيفاً لمشاعر الإنسان العربي وتناقضاته، بغضِّ النظر عما إذا كان جلاداً أو ضحيّة. أرشيف يمتد زمنه منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى ما بعد احتلال العراق. وهنا يتضح جلياً أن العراق، هو تيمة الرواية الأساس، إذ تتناول بشكلها العام، حياة أسرة عراقية، قبل سقوط النظام الديكتاتوري بفعل الاحتلال وبعده. خرج بطل الرواية من بلده يطارد حباً يريده ألا يضيع، بعدما قهره «العدو» الأول فتزوّج حبيبته منى، «بلحيته وعبوسه، وعلامة الصلاة التي نحتت على جبينه، وجلبابه القصير». سكن البطل حقيبة سفره، وصار ينتقل من مطار إلى آخر.


وها هو الآن في طهران بعد سبعة عشر عاماً مرت على رحلته الأولى. من خلال عمله مراسلاً صحافياً لإحدى القنوات الفضائية، يتابع «الانهيار المريع، والسقوط الذي كان سقوطاً للجميع، لا لبغداد وحدها».
في «حالة سقوط» يحدِّث الراوي بطله، ليكشفه أمام القارئ، شاباً أنانياً، سوداوي النظرة، عاطفياً حد البكاء، لا يمتلك من الحلول سوى ما تمليه عليه عاطفته ورغباته. يقود الراوي البطل ويعنفه في مواقف كثيرة. تشير أحداث الرواية إلى أن بطلها يحترف السقوط في أحضان أول امرأة تقابله. فما من امرأة أو فتاة ظهرت في الرواية إلا ضاجعها البطل بشغف عارم، وشاعرية كبيرة.
لا تخلو الرواية من لغة شعرية ممتعة في بعض فصولها، لكنّنا نستشف في بعض جوانبها خطاباً طائفياً ما. محمود الورواري المذيع ومقدم البرامج في قناة «العربية» لسنوات طوال، كتب روايته ليدخل طهران وبغداد. يحكي على لسان وجد بطلة الرواية غير المباشرة، كيفية وصولها إلى طهران: «كآلاف الشيعة الذين اختاروا طهران مهجراً، كإلحاح من سبقونا من أهلنا، لنلتحق بهم». وفي هذا خطأ تاريخي، يتناسى تهجير الشيعة العراقيين في فترة مظلمة من تاريخ بلادهم. فما من عراقي غادر وطنه طوعاً، ولم تكن إيران مهجراً لأحد، بل منفىً.
يقحم الكاتب زواج المتعة في روايته ليبني من خلاله «مستقبلاً مشيناً» لوجد، الفتاة المنكسرة. «قدم لي أحد أصدقائه، كان غنياً، وأقنعني بأن أتزوجه زواج متعة، كما يسمى هنا في إيران. ومع بداية صفحة هذا الزواج، لم يقطع معي علاقته، بل راح يقدم لي الصديق تلو الصديق، وفي كل مرة هناك ورقة تكتب ثم تمزق، ويمزق معها جزء من شرفي وكرامتي».
في النهاية، نجد ملحقاً، يضم مقاطع مختارة من الرواية، كأن المؤلف أراد ترسيخ عباراته في ذهن القارئ. ويبرر هو ذلك بـ«أهمية هذه المقولات، وكثافتها وخصوصيتها التي تحمل وجهة نظري التفسيرية للحياة». ومن بين هذه المقولات نقرأ: «هل يتحقق للذين صفقوا من العراقيين لمجيء الأميركيين، باعتبارهم شاطئ النجاة، ما يتحقق للحيتان التي اشتبهت في نظرتها للشاطئ، متبنّية فهماً بشرياً، أودى بها إلى الهلاك؟» لا يفوت الكاتب تذكرينا بأنّ «شخوص هذه الرواية الذين لا يمتّون للواقع بشيء سوى بخيباتهم»، هم أبناءُ خياله... كأننا به يستدرك موقفاً مواربا؟