منذ بداية تجربته، تخلّصت قصص محمود شقير من سطوة الإيديولوجيا. صارت تعبّر عن نفسها، من دون قيود تعسفية وإملاءات خارجية. خفتت فيها حدّة الشعارات، لترتفع نبرة الخصائص الفنية والأدبية. وتصبح هذه الخصائص هاجساً، لينشغل الكاتب بتطويرها والتجريب داخل أشكالها. بعد كتابيه «قالت لنا القدس» (وزارة الثقافة الفلسطينية ــ 2010)، و«القدس وحدها هناك» (دار نوفل ــ 2010) اللذين تضمّنا مقالات فكرية وانطباعات شخصية عن المدينة، يعود في مجموعته الأخيرة «مدينة الخسارات والرغبة» (دار نوفل) إلى مهنته الأصلية: قاص صاحب نظرة ثاقبة، وأسلوب متميز. يتناول في كتابه الجديد المدينة من وجهة نظر فنية.


من مناخاتها، وأزقّتها، ومصائر سكانها، يقتطع مفارقات وصوراً، سرعان ما تتحوّل عبر نسيج واحد إلى بناءات فنية مدهشة، تتكئ بمعظمها على الواقع وتفاصيله اليومية. منذ مطلع المجموعة، يُحرّر الكاتب مدينة القدس من صورتها النمطية، بوصفها مدينةً محتلةً، يعيش سكانها تحت ممارسات الاحتلال وسلوكه، ويتغير عمرانها وأسماء شوارعها، تبعاً لمزاج المحتلّ التهويدي. شقير يريد القدس مدينة عادية، كأي مدينة نزورها أو نقيم فيها. مدينة يتنزه السياح في شوارعها، ويذهب التلاميذ فيها كل صباح إلى مدارسهم، والموظفون إلى أعمالهم، والعشاق إلى مخابئهم.
كذلك سعى كتاب فلسطينيون آخرون الى تخليص الإنسان الفلسطيني من تنميطات الفدائي واللاجئ الجاهزة، هكذا يفعل محمود شقير مع مدينته. يحاول أنسنتها، واستخدام سلاحٍ آخر في صراعه مع الاحتلال. فحليم ينتقل مع صديقته من شارع إلى شارع ليرسما على الجدران. ونسرين التي فقدت بصرها بعد سنوات من ولادتها، تتزوج سرحان الذي يعاني من افتقار في التركيز الذهني. والحكواتي جبريل يعمل في مقهى، ويروي قصة عنترة أو قصة أبي زيد الهلالي. كما تحضر في قصص أخرى شخصية الجندي الانكليزي الذي يؤدّي خدمته العسكريّة في القدس، بعد احتلال بريطانيا لها، وخروج العثمانيين منها. يعشق بديعة الفتاة المقدسية الجميلة، بعدما لمحها خارجة من المدرسة مع صديقاتها. يبعث رسائل كثيرة إلى أمّه، ليخبرها عن فتاة رآها مرة واحدة، وبعدها اختفت. يقتنص القاص الفلسطيني، أحداثاً ومشاهد من الواقع الملموس، ليؤكّد فكرة القدس كمدينة تعيش فيها حيوات، وتتكوّن بين أزقّتها مصائر. مدينة تحلم وتتخيل، ترسم على الجدران، وتسمع موسيقى شوبان. كأنّه يقول إنّ مواجهة الاحتلال ليست فقط في رفض وجوده بيننا، إنّما في تأكيد وجودنا، وتمتعنا بهذا الوجود. هذا ما يبرّر استعانته بالتاريخ، واستعادته لذاكرة المدينة. في هذا السياق، تحضر في بعض القصص شخصية الملكة فيكتوريا التي زارت المدينة. يومها أولم على شرفهم إسماعيل بك، أحد أعيان القدس.
اعتمد شقير في «مدينة الخسارات والرغبة» أسلوبه القديم، القائم على اللحظة المكثفة المكتوبة بلغة سريعة الإيقاع. يطعّم لغته بقدرٍ من الشاعرية، للوصول في نهاية عملية القص إلى جملة ذات وقع مفاجئ، وفيها قدر من الإدهاش. فما يميز هذه المجموعة ليس الأسلوب الكتابي، بل تقطيع القصص. فالقصص ليست مستقلّة، إذ نجد الشخصية الواحدة تتكرر في أكثر من قصة، كما يتتابع سرد الأحداث عبر أكثر من قصة أيضاً. تمتدّ حكاية سكينة مثلاً على ست قصص. الفتاة المقيمة في غزة، تراسل صديقها في القدس عبر الانترنت، وفي قصة «شكر بيل غايتس»، تبعث إلى رجل الأعمال الأميركي رسالة شكر، لأنّه أتاح لها التواصل مع أصدقائها، ولولاه لبقيت محاصرة في غزة.
في كتابة محمود شقير، يتواطأ الشعر مع السرد المكثّف، واللغة المقتصدة مع الحدث المختزل. يخرج النص إيحائياً، أكثر منه إفصاحياً، يعبّر عن مناخات الواقع، لا عن مجرياته الفجة. هذا ما يجعل تلك القصص قادرةً على تحريض مخيلة القارئ، إذ نستطيع أن نغيّر بعض نهايات المجموعة، تبعاً لأهوائنا، من دون أن تتأثر بذلك روحية النص وسياقه العام. هذا تحديداً ما يريده الكاتب منا كقراء، أن نشاركه حلمه في استعادة القدس، المدينة المنتهكة من قبل الاحتلال. يفعل ذلك عبر استحضار مصائر الأفراد المقيمين فيها، وذاكرة شهدت تحولات كثيرة، جاعلةً المدينة «لغزاً يستعصي على الإدراك»، كما قالت الملكة فيكتوريا خلال زيارتها إلى القدس.