يستخدم المصريون تعبير «جمهوريات الموز» الساخر لإطلاقه على الدول التي لا تشهد استقراراً سياسياً بسبب الانقلابات والنزاع المستمر على السلطة. وفي مدينة الإنتاج الإعلامي في القاهرة، انتقلت الصفة إلى قناة crt، مع تعديل بسيط لتُصبح «قناة الموز»، خصوصاً أنّها شهدت انقلابات حادّة في فترة لا تزيد عن 20 يوماً. قناة crt انطلقت عام 2012، لكنّها استمرّت 3 سنوات في وضع غير مستقر، ولم يسمع بها الجمهور إلا في الأشهر الخمسة الأخيرة عندما دخلت المنافسة على شراء مجموعة من المباريات الكروية المهمة، خصوصاً لفريقي «الأهلي» و«الزمالك» في البطولات الأفريقية.


حتى أنّ الجمهور تعامل معها في بداية الصحوة الأخيرة كقناة رياضية، قبل أن تُعلن إطلاق مجموعة من البرامج بعد انتهاء رمضان. لكن ذلك لم يدم طويلاً. كانت بداية النهاية في 19 تموز (يوليو) الماضي، حين أجرى رئيس نادي «الزمالك» مرتضى منصور مداخلة مع الإعلامي ولاعب كرة القدم السابق سيّد عبد الحفيظ الذي يقدّم الاستديو التحليلي على crt. خلال الاتصال، شتم منصور رئيس النادي «الأهلي» محمود طاهر على خلفية النزاع على ملعب مباراة القمّة في الدوري المصري التي أقيمت في 21 تموز (يوليو)، ليدخل رئيس القناة ومالكها أحمد سعيد في نزاع مباشر مع مرتضى منصور بعدما نجح الأخير في حرمان القناة من عرض المباراة المذكورة. هذا الأمر كبّد crt خسائر وصلت إلى 800 ألف دولار أميركي، وفق ما أكد سعيد الذي سرعان ما أعلن منع استضافة منصور عبر شاشته. لم تنته المسألة هنا. بثّ أحمد سعيد تسجيلاً لمكالمة كان طرفها الثاني رئيس نادي «الزمالك» وهو يكيل له كل أنواع السباب التي يعاقب عليها القانون (الأخبار 22/7/2015). أشاع سعيد لاحقاً أنّه تلقى اتصالاً من رئاسة الجمهورية يدعمه في موقفه ضد منصور، ويتنصّل من مواقف رئيس نادي «الزمالك»، ويطالب سعيد بالتقدّم ببلاغ رسمي. بعدها، هدأت الأجواء، خصوصاً مع انشغال الوسط الكروي بالأيّام الأخيرة من الدوري المصري العام هذا الموسم، ليعود مرتضى منصور ويتوعّد بإزاحة أحمد سعيد. رئيس crt ومالكها ردّ عبر اقتحام استديو القناة حيث برنامج «مباشر مصر» المخصص للقضايا السياسية، ووجّه رسالة على الهواء لمرتضى مفادها أنّه لن يهتز أمام تهديداته. جاء ذلك بعد صدور بيان اعتذار من شخص آخر يُدعى أيمن عبد المعطي يقول إنّه المالك الأصلي لـ crt. صحيح أنّ أحمد سعيد كان متماسكاً، لكن اليومين الأخيرين شهدا انقلابات غير متوقعة، إذ مُنع سعيد فجأةً من دخول القناة، وتسلّم الاستديو أيمن عبد المعطي الذي واصل بث رسالة الاعتذار لرئيس نادي «الزمالك» الذي نفّذ تهديده وأبعد سعيد عن الشاشة. وخرج تصريح من أسامة هيكل رئيس مدينة الإنتاج يؤكد أنّ المؤسسة تقف على الحياد، وتسير فقط وراء الأوراق القانونية التي قدّمها عبد المعطي.
إلا أنّ الجولة الأخيرة جاءت لصالح أحمد سعيد الذي نجح في الدخول إلى استديو crt أوّل من أمس، وتلا بياناً ختامياً للجمهور ودّع فيها الشاشة، وقال إنّه يواجه «حرباً شعواء»، قبل أن يغادر وتسود إدارة الـ «نايل سات» الشاشة، في انتظار حسم الصراع نهائياً. صراع جذب الجمهور المصري، ليس فقط بسبب القناة التي لم تكن قد حققت نسب مشاهدة بعد، بل لأنّه يعكس حجم الخراب الذي يعشّش في كواليس صناعة الإعلام في مصر: قنوات بلا أصحاب، والكل يصارع للوصول إلى الشاشة من أجل مصالح شخصية.