كعادتهم، عرف «الرحابنة الجدد» كيف يبهرون الجمهور: مروان، وغدي، وأسامة أتقنوا «لعبة» المسرح الغنائي الذي يتطلّب مسرحة وإخراجاً وتقنيّات مختلفة عن المسرح الكلاسيكي والحديث. لقد أثبت «فرسان الأمل» جرأتهم ونضجهم في «دون كيشوت» التي افتتحت الثلاثاء «مهرجانات بيبلوس» وتستمرّ حتّى 3 تمّوز (يوليو). وهنا نشير إلى أنّ المقارنة بين عاصي ومنصور من جهة، ومنصور وأبنائه من جهة أخرى، تنمّ عن تسرّع نقدي.


إن من يتوقّع مشاهدة عمل مسرحي نخبوي بالمعنى الضيّق للكلمة، لن يعثر عليه في «دون كيشوت». ليست مبالغة إدراج هذا العمل في خانة المسرح (الغنائي) الشعبي الذي يتجاور فيه السياسي والاجتماعي والفكري والفلسفي والسيكولوجي والشعري.
«دون كيشوت» تعكس انحيازاً إلى الإنسان، وميلاً إلى العصرنة والحداثة. كاتب النصّ غدي، تجنّب فخّ القطيعة مع التاريخ، والتراث، وعالم الريف الموحي، والبيئة المحلّية التي حالما خرج منها، عاد إليها عبر الترميز والإسقاطات على الوضع اللبناني المأزوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بسبب بنية النظام الطائفي التي تعرقل بناء وطن حصين وتكريس مفهوم المواطنة، وتستجلب التدخّلات الخارجية.
الثورات والانتفاضات العربية وتداعياتها، ألقت بظلّها على العمل الذي نهل فيه الرحبانيون من رواية ثرفانتس الشهيرة ونجحوا في مسرحتها بما يتوافق مع الخصوصية اللبنانية والعربية ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على مستوى الموسيقى والغناء. العمل الذي وضع رؤيته وموسيقاه أسامة، وأخرجه مروان، تتوزّع بطولته بين رفيق علي أحمد (دون أسعد كيشوت)، وبطلة الرحابنة الجدد هبة طوجي (ديما ـــــ دولسينيا)، وبول سليمان (سمحو الغول).
بشيء من المرارة، والكثير من السخرية السوداء، تحرّضنا «دون كيشوت» على مقاربة الواقع من منظور سياسي وثقافي واجتماعي، وطرْح سؤال الهوية في ظلّ «الربيع العربي»، واتّساع الهوّة بين الـ«أنا» والآخر من جهة، والشرق والغرب من جهة أخرى، في القرن الحادي والعشرين الذي تعيدنا بعض أحداثه إلى وقائع وأحداث دمغت القرون الوسطى: محاكم التفتيش وإحراق الكتب (كافكا، وفرويد...)، وهو ما يرمز حالياً إلى مقصّ الرقابة، وتسلّط رجال الدين، وشبح الأصوليات التكفيرية.
طرْح كلّ تلك الإشكاليّات في قالب درامي حديث، وضمن استعراض غنائي راقص، لم يكن سهلاً. ولعلّ أهمّ ما استنتجه غدي أنّ ما يعوق التغيير في لبنان هو الشعب المنقسم عمودياً: «إذا أنا برجع شَبّ هالشعب بيتصلَّح/ مِشْ كلّ الشعوب مِتِلْ بعضا بْتِقْبَل التغيير»، وهو ما يذكّرنا باستنتاج زياد الرحباني في مسرحية «فيلم أميركي طويل». الصراع الطبقي، والصراع بين المشروع العلماني من جهة، والاصطفافات الطائفية والمذهبية والمناطقية و«القبَلية» من جهة أخرى، وثنائية الخير والشر، والعدل والظلم... مثّلت محور المسرحية. المشهد الذي يزجّ اليسار اللبناني (شبّان يرتدون ثياباً حمراء ويحملون مناجل) في النزاع بين أطراف المعادلة اللبنانية (اللون الأزرق، والأصفر، والأخضر، والبرتقالي)، يترك علامة استفهام، إذ إنّ اليسار خارج هذه المعادلة منذ نهاية الحرب الأهلية. هل قصد الرحابنة الإشارة إلى بعض الشخصيات المعروفة التي ارتدّت على اليسار، واندمجت في «لعبة» الطائفيين؟ أداء الممثّل القدير رفيق علي أحمد كان لافتاً كالعادة، فيما كانت هبة طوجي (سوبرانو كولوراتور) المفاجأة الأكبر. باختصار، «دون كيشوت» هي ببساطة الوطن المؤجّل وحلم التغيير.