تونس | ليس سهلاً التخلص نهائياً من عقلية الاستبداد التي حكمت المجتمع التونسي طوال عقود. النظام السياسي الذي حكم بالحديد والنار في بلاد الطاهر الحداد، سخّر كل طاقاته لمحاربة حرية الإعلام والتعبير عن الرأي. هكذا، مع الوقت، حمل المجتمع التونسي نفسه هذه التشوّهات وصار يستبطن هذه المعاداة تجاه الآراء المختلفة؛ إذ إنّ الساحة الإعلامية تغرق حالياً في صراعات «الديكة»، مستغلةً مناخ الحرية الذي توافر بفضل دماء المئات من التونسيين.

ورغم القضاء على الديكتاتورية، إلا أنّ القمع ما زال مزروعاً في نفوس بعض التونسيين. وخير دليل على ذلك ما حصل منذ أيام مع ناجي الخشناوي (الصورة) سكرتير تحرير جريدة «الشعب» لسان حال «الاتحاد العام التونسي للشغل»؛ إذ تلقى الصحافي التونسي دعوة من وكيل الجمهورية في المحكمة الابتدائية في تونس للمثول أمامه يوم 9 تموز (يوليو) المقبل. وجاء ذلك بعدما رفع رجل الأعمال ناجي المهيري دعوى قضائية على الخشناوي إثر كتابته مقالاً في 22 كانون الثاني (يناير) الماضي بعنوان «من سيحاكم نسخ بن علي؟». ووردت في المقال مجموعة من الأسماء، منها اسم ناجي المهيري، اشتهرت بقربها من النظام السابق واستغلال نفوذها السياسي والاقتصادي.
والمعلوم أنّ ناجي المهيري يتصدر قائمة الشخصيات التي تدين للدولة التونسية بما قيمته 250 مليون دولار.
هذا فضلاً عن خرقه لحقوق العمال، وخصوصاً في فندق «أفريكا» الذي ظل مقفلاً قرابة الشهر بعد الثورة التونسية بسبب تعنت صاحبه وعدم منح العمّال أجوراً مقبولة. وتساءل الخشناوي في مقاله عمن سيُحاكم «النسخ المتعفنة من نظام المافيا والبوليس وعصابات النهب والسلطة؟».
وذكر المقال أسماءً كثيرة، من بينها مدير الأمن الرئاسي السابق علي السرياطي، والمسؤول الأمني السيد الدواس، والقاضي زياد سويدان. وكتب الخشناوي: «إن التركيز الإعلامي والشعبي على رموز الفساد المعروفة كعائلة بن علي وعائلة الطرابلسي لم توجه بعد أصابع الاتهام إلى عائلات أخرى والضباط الأمنيين الذين ارتكبوا عمليات التعذيب».
ناجي المهيري الذي ورد اسمه في القائمة، تحرك ورفع دعوى قضائية، ما أثار رد فعل غاضباً من النقابة العامة للثقافة والإعلام التي رأت أنّ «هذه الشكاوى تندرج في إطار ضرب حق الشعب التونسي في إعلام حر ونزيه يكشف جرائم نظام بن علي ومعاونيه، ومحاولة للالتفاف على مبادئ الثورة في الحرية».