«نحن لا نتعوّد يا أبي إلا إذا مات شيءٌ فينا، وتصوّر حجم ما مات فينا حتى تعوّدنا على كل ما يجري حولنا». هكذا تكلّمَ ممدوح عدوان في «حيونة الانسان» قبل أكثر من عشر سنوات. اليوم، يغدو التساؤل عن حجم الأشياء التي ماتَت منذ ذلك الوقت ضرباً من العبث. مشاهدُ الحرب السوريّة وحدها كفيلةٌ بجعل التساؤل الواجب أن نطرحه على أنفسنا هو: ما الذي بقي حيّاً؟.


ثمّة في هذا السياق مشهدان يُمكن استعراضهما على سبيل المثال:
«كلاكيت... أوّل مرّة»: قبل عامين ونصف العام، ضجّت مواقع التّواصل الاجتماعي بشريطٍ مصوّر يُظهرُ مجموعةً من مسلّحي «الجيش الحر» في حلب يتفنّون في إهانة شخصيّة عُرفَت شعبيّاً باسم «الرّجل الأصفر». يومَها كُنّا على موعدٍ مع ثُلّة مُجرمين يُسجّلون «انتصاراً» ضدّ شخصٍ مُتّهمٍ بـ «الموالاة». شخصٍ أعزل، خائفٍ، ومُستلَب الإرادة، لا يجدُ حلّاً سوى الرضوخ لأوامر جلّاديه وهُم يأمرونَه بالنّباح. وبطبيعة الحال، لم يدّخّر الجلّادون وسيلةً من وسائل الاضطهاد المعروفة: ضرب، شتائم، وإذلال من دون أن يصنعَ إنكار الرّجل «التهمَ» المنسوبةَ إليه أيّ فارق. بعد انتشار المقطع، تسابقَ الجميعُ إلى التّعبير عن الغضب وكلّ مُلحقاتِه من استنكار، وشجب، وسواهُما. لكن سرعانَ ما خفتَ الضّجيج، ونسينا نحن المتفرّجين تلكَ المهانةَ التي طاولت كلّ شخص مِنّا، سكَت القطيعُ، وتلاشى النّباح. حتّى أنّ أحداً لم يخطُر في باله أن يتساءلَ عن مصير الرّجل بعد إسدال الستار.
«كلاكيت... ثاني مرّة»: المكان والزمان مُختَلِفَان. خلفيّة المشهد. نوع الإضاءة ومُعظم التّفاصيل مختلفةٌ كذلك. الثّابتُ هو الجوهر: مُجرمونَ، وضحايا. جلّادٌ يأمرُ بالتّتالي ضحيّتين بمُحاكاة صوت الحمار: «شهنِق (انهَق)». وكما في المرّة السّابقة، لا تجدُ الضحيّتان مناصاً من تنفيذ الأوامر. ولأنّ الحربَ لم تترك شيئاً في منأى عن التقسيم، فلا بدّ هُنا من الإشارة إلى أنّ الجلّاد في الفيديو الذي انتشر أخيراً هو مسلّحٌ ينتمي إلى «المُعسكر الموالي»، ويقوم بـ «محاكمة ضحيّتين مُعارضَتين». التّهمة «مُعارضة»، والقرينةُ: ظهور إحدى الضّحيتين على هواء قناةٍ «مُغرضَة». الأدوات التقليديّة ذاتُها كانت حاضرةً: الضرب، الإهانة، والشتائم، لكن بقَدر يفوقُ المثال السابقَ بأضعاف. وكما في المرّة الماضية، تكرّر الأمر هُنا، ولم يُجد إنكارُ الضحيّة «التّهم» أيضاً. الجديدُ في هذه المرّة أنّ «المُحاكمة» كانت جماعيّة، شملت رجلاً، وزوجَته، وأشخاصاً آخرين كانوا في خلفيّة المشهد لم يُتح لنا المقطعُ المصوّر المُجتزأ أن نعرفَ «تُهمتهم» ولا وسائلَ «محاكمتهم». وبينَما كانت الجريمة في المرّة الماضية برهاناً استخدَمه «المؤيدون» لإثبات «فساد الثورة وهمجيّة المسلّحين المعارضين» وما إلى ذلك من صفات، ها هي جريمة اليوم تتحوّل لدى «المعارضين» برهاناً على «فساد النظام وهمجيّة المسلحين الموالين» وما إلى ذلك من صفات. ولأنّ مقطعاً مثل هذا يُعتبر في نظرِ معظم متداوليه «فرصةً لا تعوّض»، كانَ لا بدّ لهم من اللجوء إلى أكثر أساليب الشحن والتحريض رواجاً في هذه المنطقة الملعونة من العالم، ونعني «التشريحَ الطائفي» لأبطال المشهد. وكنتيجةٍ منطقيّة، ها نحنُ ذا أمام مناسبةٍ جديدة للحديث عن المظلوميّات الطائفيّة، والدعوة إلى الانتقام، والتهديد والوعيد. لكن، ماذا عن مصير الضحايا الظاهرين في المقطع؟ وما الذي حدث بعد إسدال السّتار؟ أين «الأبطال» اليوم؟.. أغلبُ الظّن أنّ أسئلة كهذه لن تحظى بإجابات تبدو أصلاً تفصيلاً ثانويّاً في خُططِ المستنكرين. وما هي إلّا فترة قصيرة، يصمتُ بعدها القطيع، أو يحظى بمادةٍ جديدة للتداول، بينما تستمرّ الحرب، ويمضي الجلّادونَ من مختلف الاصطفافات قُدماً على دروبِ «الحَيوَنة».

http://eldorar.com/node/83038




المرصد السوري» يوضح

بعد انتشار الفيديو أعلاه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نشر «المرصد السوري لحقوق الانسان» أمس تفاصيل تتعلّق بالحادثة. وقال المرصد إنّ الحادثة المذكورة وقعت في أيلول (سبتمبر) 2013. أمّا المسلّح الظاهر فيه، فهو «عنصر من اللجان المسلحة الموالية للنظام من قرية عين الصحن بريف صافيتا». ووفقاً للمصدر ذاته، فإن «الرجل وزوجته هما من أهالي قرية المتراس الواقعة في ريف مدينة طرطوس، كان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد وثّق إعدامهما في نهاية الثلث الأول من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2013 على يد مسلحين موالين للنظام قاموا بقتل الرجل وزوجته وطفليهما».