وجرت صفقة التبادل بين السلطات اللبنانية وجبهة «النصرة» الإرهابية. خرج العسكريون المختطفون الـ 16 الى الحرية بعد عام و8 أشهر من الإذلال والإنتظار ودموع الأهالي، والدماء التي سالت من 4 عسكريين قتلوا بدم بارد، ومسرح موتهم على الشاشات. خرج العسكريون بأثمان باهظة، ربما مذّلة للدولة اللبنانية، لكن الأعين بقيت شاخصة كما في كل مرة إلى الإعلام، المحلي والفضائي على حد سواء. بعدما جنّدت نفسها طيلة الأيام الماضية لنشر معلومات وتفاصيل عن صفقة التبادل، ولو كان أغلبها مغلوطاً، لم تستطع القنوات اللبنانية هذه المرة أن تكون حاضرة على مساحة بلدها في جرود عرسال التي باتت تحتلّها جبهة «النصرة» وتنشر راياتها السود عليها. اكتفت هذه الوسائل بإعادة البث عن mtv و"الجزيرة" مع تغطية مكثفة من خيم أهالي العسكريين في رياض الصلح. مشاهد الرايات السود وعناصر "النصرة" المسلحين، رأيناها على شاشة mtv، القناة المحلية الوحيدة التي أخذت الحق الحصري في أن تكون حاضرة هناك، والنقل الحيّ لمجريات الصفقة لحظة بلحظة. هي المرة الأولى التي تعطي فيها الجماعات الإرهابية وسيلة إعلامية محلية هذا الحق، لتغطية عملية التبادل، لكن سبق لقناة «المرّ» أن أخذت ما سمته «سكوب» (الأخبار 20-7-2015) في 20 تموز (يوليو) الماضي، عندما ذهب مراسلها حسين خريس الى جرود القلمون، مواكباً زيارة أهالي العسكريين لذويهم. يومها، جلس أبو مالك الشامي (أبو مالك التلة) أمير «جبهة النصرة» في القلمون، مموهاً، وأعطى مقابلة لخريس توّعد فيها وهدد، وزاد من منسوب شروط التفاوض لإخراج المخطوفين. ترك له الهواء من دون أن يتخذ المراسل الشاب معه أي مساحة نقدية مهنية. هذا الأمر تكرر في التغطية الحصرية لـ mtv أمس. بدا خريس أسيراً آخر لدى «النصرة»، لا يستطيع التحرك ولا الكلام الإ بإذن وإشارة من المقاتلين هناك. تعاطى مع هذا الفصيل الإرهابي الى درجة الإنحياز، وأصرّ على إجراء مقابلات مع الجنود اللبنانيين الأسرى وهم مستلبو الإرادة، فما كان منهم سوى كيل المديح والشكر للجبهة و"حسن معاملتها». خريس أسره مشهد أراد تظهيره على الشاشة: هكذا، لفّته الأعلام السود التابعة لـ "النصرة» من الخلف، وراحت كاميرته تنقل صيحات التكبير للمقاتلين مع الساعات الأولى للتبادل، وفرحتهم العارمة بهذا الإنجاز. رأينا «كرم» الضيافة عند هؤلاء حين وزعوا الحلوى والعصائر، وعمدوا الى مداعبة أولاد طليقة البغدادي سجى الدليمي أمام الكاميرات. سمعنا على لسان أحد شيوخهم "لسنا جماعة إرهابية بل نحن أصحاب رسائل سماوية». يكفي هذا التصريح لتبيان الهدف النهائي لـ "النصرة» التي أرادت من خلال كل هذه المشهدية تبييض صفحتها وتظهير نفسها بوصفها جهة "معتدلة" مختلفة عن "داعش" تفاوض الآخر، وتعامل أسراها بطريقة انسانية. وبهذا تكون الجبهة الإرهابية قد ظهرت هذه الصورة التي عملت عليها، واستدرجت الإعلام اللبناني اليها.
وصفت "الجزيرة" المعتقلين في السجون اللبنانية بأنّهم "أسرى"

لا شك في أن خطوة mtv لاقت العديد من ردود الفعل المنددة بخاصة لجهة أداء خريس الموجود على أرض «النصرة»، الذي تصرف على هذا الأساس وربما أكثر. عاب عليه كثيرون هذا الأداء، وخصوصاً زملاءه الإعلاميين، لكن، ينسى كثيرون أنّ هذا الأداء كان نفسه عند مختلف مراسلي المحطات اللبنانية في قضية "مخطوفي أعزاز"، حين حجّت الوسائل الإعلامية المحلية الى هذه البلدة السورية وصنعت من الخاطف «ابو ابراهيم» نجماً تلفزيونياً وشخصية مسالمة محبة، جعلت المشاهدين حتى يتعاطفون مع هذا الجلاد، كما لا يمكن أن ينسى أحد سلسلة المقابلات مع الأسرى اللبنانيين المسلوبي الإرادة، تحت عدسات خاطفيهم الذين تحوّلوا بدورهم الى قديسين. هذه الضجة الإعلامية في لبنان بين نشوة mtv بالنقل الحصري، والإستفاقة على التنظير لأخلاقيات المهنة، لم يلحظها الفضاء العربي، مع تفرّد قناة «الجزيرة» - كما جرت العادة- بنقل حيّ لمجريات عملية التبادل مع مدير مكتبها في بيروت مازن إبراهيم. صال الأخير وجال بحرية بين مواكب المقاتلين والصليب الأحمر. لم يكن يحتاج الى إخراج تلفزيوني من «النصرة» التي كان عناصرها يجولون أيضاً بكاميراتهم المتطورة. كان ناطقاً رسمياً بإسمهم. شدد في كل رسائله على أن «النصرة» تندرج ضمن الفصائل السورية المعارضة. وبذلك، نفى أوتوماتيكياً صفة الإرهاب عنها. القناة القطرية كان تحتفي أمس بنجاح وساطة بلادها في صفقة التبادل. كانت الرايات السود تزين شاشتها. أصرّ المراسل، ومعه المذيعة في الاستديو على نفي أي تهمة عن المجرمين الذين كانوا يقبعون في السجون اللبنانية، بل اعتبروهم "أسرى" عند الدولة اللبنانية. أكدّ ابراهيم مراراً وتكراراً أن سجى الدليمي لم تكن تعلم أن السيارة التي تقودها محمّلة بالمتفجرات! لم يكن جديداً على «الجزيرة» هذا الأداء، والمواكبة للجماعات الإرهابية، فقد خبرته قبلاً وتحديداً عام 2013 بعيد إطلاق «راهبات معلولا». وقتها أجرت مقابلات معهن، فشكرن جلادهن، ودافعت القناة عن هذا الإحتجاز القسري بتبنيها رواية الخاطفين بأنهم أنقذن الراهبات بخطفهن «خشية مقتلهن بنيران النظام»!.