باريس | منذ لوحة بيكاسو «طبيعة صامتة مع كرسي» (1912) وعمل مارسيل دوشان «عجلة درّاجة» (1913) وملصقات وتكوينات كورت شفيترس، استحضر الفنانون في القرن العشرين بشكلٍ ثابت الواقع داخل أعمالهم الفنية. قدّم الألماني روشنبرغ إنشاءات حرة من المواد الاستهلاكية اليومية كالأقمشة والزجاج وقصاصات الصحف والصور الضوئية ومواد الخردة، هو الذي وصل من باريس إلى نيويورك يحمل معه هدية لصديقه والتر ارنسبرغ «قطعة من باريس» لم تكن سوى زجاجة دائرية مغلقة معبأة بهواء باريس، يقول: «لا يهمّني الماضي أو المستقبل.


أنا دوماً في الحاضر وأسعى إلى الاحتفال به رغم محدوديّتي، باستخدامي جميع طاقاتي». حذا آندي وراهول (1928 ــ 1987) حذوه في السعي إلى «ردم الفجوة بين الفن والحياة» بعدما توارت تفاصيل الواقع خلف ضربات ريشة بولوك ودو كونينغ وسائر فناني «التعبيرية المجرّدة».
بفجاجة قبض وارهول على روح الحضارة الأميركية وعقليتها الاستهلاكية المتنامية. استدعى ضمن إطار أعماله أفيشات المشاهير وأوراق المنتوجات الغذائية والملصقات الدعائية والإعلامية ولفتته الأبعاد البصرية والاستعارات الحيوية الجديدة التي يخلقها النقل والدمج والتحريف. جاء في أحد تعليقاته: «أنا أحب لوس أنجليس، أحب هوليوود.


معرض يتعقب تأثير موسيقى الستينات على نتاج عراب البوب آرت

إنها جميلة جداً، كل شيء فيها من البلاستيك، لكنني أحب البلاستيك وأريد أن أكون بلاستيكياً». تاجر المشاعر الرخيصة -وفق تعبير جريدة «تايمز»- هدم أسطورة الإبداع الفردي بتفويض مساعديه بالقيام ببعض أطوار إنتاجه الفني، وهدم قبل ذلك قدسية أحادية النسخة بإحلال سلسلة مجموعات تُنتج بالجملة عبر الطباعة على الشاشة الحريرية بدعوى أن الندرة لا تضمن الأصالة والتعددية لا تضمن عكسها. ارتبطت نجوميته بموضوعاته المسلسلة عن وجوه المشاهير التي حوّلها أيقونات بألوان شعبية صارخة ومنتجات أميركية شهيرة يأخذها بآلة «الفوتوماتون» أو «البولارويد».
هذه النزعة الاختبارية التي تلازم أعمال وارهول، تنطلق من ميل إلى التعرية والمساءلة، ليس فقط في علاقة المادة بظرفها الجديد، بل أيضاً محاولة النفاذ إلى قناعات جمعية هزيلة. علبة حساء الطماطم المطبوعة بالشاشة الحريرية الواقفة باستقامة ومن دون أي انفعال في المكان، تصبح محكّ اختبار مفاجئ للوسط البرّاق الفارغ والمشبع بوسائل الإعلام والإنتاجات الضخمة الذي عاشت فيه الثقافة الأميركية أوائل الستينيات.
حين بدأ وارهول يسعى إلى التحرّر من أغلال «البوب آرت» لإيجاد توليف إبداعي بين الرسم والموسيقى، كان قد أسس في نيويورك محترفه الذي أطلق عليه اسم «المصنع». أحاط نفسه بمجموعة من الفنانين والكُتاب والموسيقيين، إضافة إلى حاشية من البوهيميين والمطلوبين للعدالة الذين منحهم تسمية «سوبر ستارز». ساعدته لقاءاته الفنية في حفر هويته الخاصة، فقد كان مسحوراً بإحدى الشخصيات البارزة في المسرح الطليعي في فترة ما بعد الحرب وهو جون كيج الذي ألّف أعمالاً ذات توجه جديد في فنون الإيقاع والرقص الحديث بالتعاون مع الكوريغرافي مرسيه كانينغهام. وله مقطوعات للبيانو من معادلاتٍ رياضيّة معقّدة تعتمد على كتاب الـ«I-Ching» الصيني الذي يُعرف بـ«كتاب التغيّرات». تابع وارهول بحماس تحوّل بوب ديلان من موسيقى الفولك إلى الروك آند رول عندما عزف على الغيتار الكهربائي في «مهرجان نيوبورت فولك» عام 1965 وكان له الفضل الكبير في إغناء الموسيقى الشعبية المدينية بالوعي السياسي والاجتماعي.
تحت عنوان «وارهول اندرغراوند»، يتعقّب «مركز بومبيدو ميتز» حتى أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) تأثير موسيقى الأندرغرواند النيويوركية والكوريغرافا الطليعية في نيويورك بداية الستينيات على الممارسات الفنية لملك البوب. يأتي ذلك إحياءً للذكرى الخمسين للقائه بإحدى أشهر فرق الروك «ذا فيلفيت أندرغراوند». على خشبة مسرح مقهى Bizarre في بلدة غرينويتش الأميركية، في كانون الأول (ديسمبر) 1965، اكتشف وارهول لو ريد، وجون كيل، وستيرلينغ موريسون، وماورين تاكر. لمس قرابة أسلوبية بين موسيقى الفرقة وعروض أفلامه الصامتة، ففتح لها باب «مصنع الفضة» - قبلة الفنانين والمشاهير وأعضاء الحركات الطلائعية النيويوركية- لتحتك بوسائط «ما بعد الحداثة» من فيديو وإنشاءات ومنيمالية و«برفورمانس».
سياق ترتيب المعرض يتحرر من كل مسار زمني وموضوعي ليقدّم البصمة الموسيقية لفرقة «ذا فيلفيت أندرغراوند» التي ساهمت في ظهور حساسية أقل مرحاً من سوينغ الستينيات. أكثر من 150 صورة فوتوغرافية لكل من نات فينكلشتاين، وبيلي نيم وستيف شابير، تقود الزائر لاكتشاف العالم اللامع المكهرب للـ«فاكتوري» كما استعيرت رسومات وراهول الأيقونية من أبرز المتاحف العالمية مثل الكرسي الكهربائي والغيمة الهيدروجينية والكوكا كولا، وعلبة حساء الطماطم (لشركة كامبل) بالاضافة إلى 46 غلافاً لألبومات كان يقدّمها بطريقةٍ ملحّة كمواد تشكيلية صرفة مثل «ألبوم الموز» الشهير.
يمكننا الإحساس برغبة وارهول في تهجين العمل الفني، عندما بدأ العمل كمدير لـ «ذا فيلفيت أندرغراوند» أنتج عرضاً من الوسائط المتعددة تحت عنوان Exploding Plastic Inevitable الذي عُد مزيجاً من الإسقاطات الفكرية والمفاهيمية على الموسيقى. بينما يعزف أفراد الفرقة على آلاتهم، يلقي على أجسادهم وعلى خلفية المنصة مشاهد من الأفلام والأضواء الهندسية الملونة. في الوقت نفسه، يحاكي سياق العرض تصميم كوريغرافي يقوم على مهارات كل من جيرارد مالانغا وباربرا روبين في الرقص بالسوط. انطلاقاً من مذكرات ومقابلات تركها وراهول، يُعاد تشكيل هذا العرض للمرة الأولى في فرنسا ليذكرنا بالنزعات الذهنية الجامحة لملك البوب ومصنعه الذي غطّت جدرانه بورق الألمنيوم ليكون مرآةً لنجوم الستينيات.

«وارهول اندرغراوند»: حتى 23 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «مركز بومبيدو ميتز» (ميتز ـ فرنسا)
ـ centrepompidou-metz.fr