بدعم من «مواطنون فنانون» ومؤسسة «اتجاهات»، يقدّم المخرج السوري الشاب عمر الجباعي على خشبة «مسرح بابل» عرضه «أوكنو». نص مسرحي من فصل واحد للكاتب البولندي إيرينيوش إيريدينسكي (1939-1985). مَن يتنبه إلى ملصق العرض، يلاحظ أنّ هذا العمل بني بما مُنيت به يد الحال ولو كانت قصيرة. ملصق بسيط جداً، متقشف في ألوانه، قلمّا تراه في المدينة، وإن حظيت بوجوده، تتنبه إلى ساعة رمل فيها ثلاثة أعواد كبريت، وكلمة «أوكنو» التي كتبت بحروف عربية ولاتينية. Okno... من هنا يبدأ العرض. من النافذة.


لدى سماعنا كلمة أوكنو، قد يختلط الأمر علينا، نحن مترقبي العرض: ربما يكون اسم الشخصية أو مكان الحدث المسرحي أو مجرد عنوان عبثي للعرض. إلا أن الأمر لا يتعدى كونه معنى كلمة «نافذة» باللغة البولندية. لماذا العودة إلى اللغة البولندية؟ لماذا لم يكتف المخرج بعبارة رديفة باللغة
العربية؟
من شاهد العرض، يتسرّب اليه شعور بأن هذا الخيار لم يأت بدافع خلق عنوان جذاب وغريب، بل لأنّ العرض مرتبط بما هو أبعد من قصة حدث قرب نافذة أو لعلّه يتخطى «التفاسير» الجاهزة والواضحة للعيان.
يبدأ العرض برجل بثياب النوم في منتصف الخشبة. بـ «بروتيل» قطني أسود وبنطال رمادي رصاصي، يقف ويتأمل في الفضاء. خلفه، هناك كنبة لشخص واحد وطاولة وإناء زجاجي وبعض المقتنيات الصغيرة. يتأمل صامتاً لدقائق. تدخل الزوجة إلى فضاء العرض، وتلجأ إلى شتى الوسائل لاسترعاء انتباهه: تبتسم له بطريقة بلهاء. تحضر مصباحاً تضعه في القابس الكهربائي وتسلط الضوء عليه. تغير ملابسها أكثر من مرة، تحاول إغراءه... والرجل كما هو، يحافظ على النظرة نفسها الأخاذة في الأفق. مشهد صامت لخمس دقائق يجمع الممثلَين عمر الجباعي، ونوار يوسف ويبني رابطاً طريفاً لا يخلو من غرابة بينهما إلى أن يخرج الكلام من شفتي الزوجة. وهنا ننتقل من الصمت المطبق الى حوار يتطوّر إلى شبه شجار بين زوجين.


سينوغرافيا اقتصرت على كنبة وألوان يطغى عليها طابع الـ»الميلانكوليا»

رجل يقف منذ أسبوع لساعات وساعات أمام الشباك، ينتظر شيئاً ما.
في منتصف الليل، تصحو الزوجة وتراه يقف أمام الشباك. يعود من عمله ويقف أمام الشباك. لم تعد الزوجة تحتمل، فافتعلت حواراً في منتصف إحدى الليالي لتكتشف بكل بساطة أن الرجل، زوجها، المهندس، الشاب الذي يبلغ ٣٣ سنة من العمر، يقف أمام الشباك لأنه رأى أحدهم في المبنى المقابل يضيء شعلة كبريت ما تلبث أن تنطفئ. وها هو ينتظر أسبوعاً أمام الشباك ذاته، ليعود ويرى الشعلة تضاء مجدداً بحيث باتت الشعلة بالنسبة إليه مسألة وجود.
هذا هو الحدث الأساسي للمسرحي: جدل وشبه شجار حول شعلة. شعلة كبريت.
أمام فعل عبثي مماثل، اتبع الممثلان نمط تمثيل واقعياً عفوياً. حسرا فضاء خشبة «بابل» بمترين تحركا فيهما وقدما بناءً درامياً جعل نص إيرينيوش إيريدينسكي البولندي البارد، دينامياً ومضحكاً أحياناً من دون افتعال أو فائض في التركيب. هذا التناقض بين عبثية الحدث في القصة، وواقعية التمثيل ودينامية الحوار، هو الذي بنى السحر المنبثق من عرض «أوكنو» رغم وجود بعض الثغرات التي لا تحتمل إطالة الحديث فيها كعدم وضوح صوت الممثلَين أحياناً أو تشنج الممثل عمر الجباعي في الدقائق الأولى للعرض وانفلات دقة الأداء فيما ندر.
من تتسنى له قراءة النص المترجم لايريدينسكي، يلحظ الجهد الذي بذله عمر الجباعي في تفنيد تفاصيل النص (كتابةً، وإخراجاً وتمثيلاً) ونجاحه في إضفاء حرارة ما وخصوصية لم تكونا موجودتين في ترجمة النص الأصلي. ساعده في ذلك أداء نوار يوسف التي عرفت كيف توظف حضورها وأداءها المتقنين لصالح
العمل.
أجمل ما في هذا العرض هو اختزال كل عناصره للتركيز على فكرة الشعلة بما تحمل من دلالات ومن دون أن يضمّنها نص العرض أي دلالات تذكر أو أي جدل فكري أيديولوجي. مجرد جدل ممل بين ثنائي متزوج منذ أكثر من خمس سنوات.
تلك البساطة العميقة في آن، ترك المخرج/ الدراماتورج تفسيرَها مفتوحاً للمشاهد. في الوقت نفسه الذي انتظر فيه الزوج رجلاً في المبنى المقابل ليشعل شعلةً من الكبريت، تمر لحظة في سياق العرض تقصّد المخرج أن تكون عابرة: في سياق جدله المحتدم مع زوجته، يشعل شيئاً ما بسرعة ويرمي عود كبريت كبيراً في إناء دائري زجاجي ممتلئ بأعواد الكبريت الكبيرة. إذاً هو أيضاً قادرٌ على إضاءة شعلته في العتمة. مرّ هذا الفعل مرور الكرام من دون أن يولي المخرج جهداً في جعله فائق الوضوح للمشاهد في ظل سينوغرافيا اقتصرت على كنبة وألوان يطغى عليها طابع الـ»الميلانكوليا» مع إضاءة متقشفة جداً أضفت جواً من الحميمية بين الزوجين كان لها بعدها
الدرامي.
ما هي الشعلة في هذا العرض، وفي هذا الزمن بالنسبة إلى المخرج الشاب الآتي من الجار الجريح؟ ما هي النافذة؟ نافذة لتأطير الأشياء أو نافذة تفتح أفقاً جديداً لم نره من قبل؟ شعلة كبريت حارقة أو شعلة أمل؟ لا إجابة، إذ يبدو طرح أسئلةٍ من هذا النوع بعبثية وغرابة كلمة «أوكنو» لمن لا يتقنون اللغة البولندية.

«أوكنو»: 20:30 مساء اليوم ـــ «مسرح بابل» (الحمرا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/744033 - 01/744035