ينفك السياسي عن الأدبي في كتابة مروان عبد العال (1957)، تتحرر اللغة من عبء الشعارات والخطابات والبيانات، لتدخل حيزها الجمالي وتمارس هوايات المخيلة في الفتك بكل ما هو يقيني ومستقر، في أدب القضية الفلسطينية وكليشيهاته الجاهزة. لا يغيّر الناشط والسياسي الفلسطيني من مهنته حين يكتب. بل يذهب إلى أكثر الأمكنة متعةً في هذه المهنة: نبش الذاكرة ومقاومة النسيان، وأرشفة يوميات الإنسان الفلسطيني في المخيم والشتات والمنفى، والتقاط تفاصيل منسية ونفض الغبار عن قصص وحيوات وأحلام بسيطة، كاد الزمن يتغلّب عليها ويطويها. في روايته الجديدة «ايفان الفلسطيني» (دار الفارابي)، يعيد عبد العال طرح سؤال الهوية عند الفلسطيني، حيث التأرجح بين الوطن الحلم، الحاضن لذكريات الأم والعائلة، وتفاصيل الطفولة والمراهقة وبين مخاضات المنفى والظروف التي ينتجها سلب هذا الحلم ومحو آثاره.

للتعبير عن هاجس روايته وسؤالها المصيري، يبتكر الكاتب شخصية جدلية تتمثل في «عرب»، الفلسطيني المولود في أحد مخيمات الشتات. يسافر عرب إلى بيروت للعمل في التصوير ثم يمضي إلى بروكسل، حيث يفشل في الحصول على لجوء، ما يضطره إلى محو بصماته عبر الكي بالنار ليستطيع دخول الأراضي الألمانية والعيش هناك. يتحول عرب لاحقاً إلى إيفان الألماني بعد أن يغيّر اسمه كي يسهل عليه الاندماج في المجتمع الجديد. يعيش في مدينة دورتموند، ويؤسس مقهى «أرابيسك»، حيث يلتقي أبناء الجاليات العربية الهاربين من جحيم أوطانهم. لكنّ السلطات لا تلبث أن تقفل المقهى بحجة مخالفة القوانين. يستمر إيفان في العمل في القسم العربي لإحدى الفضائيات الألمانية.
تتشظى الذات الواحدة إذاً، بين إيفان وعرب، بين الوطن ونقيضه، ليتصاعد الجدل في سياق حوارات ومونولوغات وجودية تبحث في مفاهيم الوطن والمنفى، والذات والآخر، من دون أن تفقد الحكاية بريقها وقدرتها على الإمساك بالقارئ.
يتكئ صاحب «سفر أيوب» على الذاكرة كمرجع لنبش الحكايات والوقائع والأحداث المتناسلة التي يسردها على إيقاع الجرح الفلسطيني. تحضر النكبة، ومشروع التقسيم عام 1948، ومحاولات الأهالي شراء السلاح لمواجهة عصابات الهاغانا وشتيرن والأرجون. الذاكرة هنا ليست مدوناً تاريخياً بقدر ما هي وجدان حي، حفِظ أبناء المخيمات قصصه وحوادثه وتناقلوها عبر أجيالهم.
ثمة شخصيات عديدة تمر في السرد، يستدخل الكاتب عبرها مناخات مختلفة إلى سياق نصه. صخر صديق عرب من أيام الطفولة وحلمه بأن يصبح فدائياً، وجولي زوجة إيفان وعجزه عن التأقلم معها ومع أولاده الذين نشأوا في بيئة غربية، وبن هواش اليساري التونسي الذي اقتلعت السلطات التونسية أظافره لأنه معارض، وحسيب الذي يساعد العرب في التسلل إلى ألمانيا.
يؤكد صاحب «زهرة الطين» أن معظم هذه الشخصيات التي ظهرت في الرواية، التقاها في الواقع قبل أن ينقلها إلى الورق: «هناك الكثير من الفلسطينيين الذين أعرفهم، يضطرون إلى تغيير أسمائهم، ليس فقط لتسهيل حياتهم في المنفى، إنما للأسف لتسهيل المرور عبر إجراءات حدود البلاد العربية» يقول مروان عبد العال. حتى الرمزيات التي وضعها في نصه للدلالة على أزمة هوية الفلسطيني وتخبطه بين عالمين، استمدها من الواقع أيضاً: «فكرة النمل الأسود والنمل الأشقر التي أردت من خلالها أن أرمز إلى الشرق والغرب، وتصادمهما داخل الشخصية الفلسطينية، أخذتها كتفصيل من حياة الطالب الفلسطيني الذي يتلقّى تعليمه في مدارس «الأونروا». إذ تمتلئ ساحات هذه المدارس بالرمل بدل الاسمنت، وينتشر النمل بلونيه الأسود والأشقر في أرجاء المكان».
الرواية التي سترشّحها «دار الفارابي» لجائزة «بوكر» العربية هذا العام، تتمدد أحداثها وتفاصيلها على نحو أفقي، وتأخذ شكل بنية فسيفسائية تتداخل في متنها الذكريات والوقائع والتأملات والأسئلة. وتنتهي بحدث أراده الكاتب مفتوحاً على التساؤل، حيث يُقدم أحدهما على قتل الآخر، عرب يقتل إيفان... أو إيفان يقتل عرب، ليبرز السؤال: من هو الضحية، إيفان أم عرب؟ ومن قتل من؟
«لا بد من أن يموت الجزء البشع فينا» يقول مروان، قبل أن يضيف: «نستطيع أن ندافع عن ذواتنا ونحن نقتل هذه الذوات. سأظل أبحث عن الوجوه الجميلة في الشعب الفلسطيني وأكتب عنها. الفلسطيني ليس القيصر الروسي إيفان الرهيب (1530ـــ 1584) الذي ارتكب إبادات ومجازر جماعية. الفلسطيني ضحية هذا الإيفان».

ندوة حول رواية مروان عبد العال مساء اليوم في بيروت، يشاركه فيها الباحثان عبد المجيد زراقط ومحمد شومان، والصحافي أنيس محسن. كما يوقّع الكاتب روايته: بين السادسة والثامنة في «مسرح دوّار الشمس» (الطيونة، بيروت) للاستعلام: 01/381290




قصّة «هاربة»

عن تجربته، يقول مروان عبد العال لـ«الأخبار»: «عند كل فلسطيني قصة فيها الكثير من التحولات والآلام التي تفوق قدرتنا على التصديق. أنا لا أتقصّد الزج بالقضية الفلسطينية في كتابتي، لكن هذا واقعي. ألتقط المفارقات من سير هؤلاء الناس البسطاء». هذا تماماً ما حدث مع القيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الذي كان يفاوض لإيقاف القتال في أحداث نهر البارد عام 2007 (قبل أن يدمّر بيته ومكتبته عمداً) حين وجد الوقت أيضاً لالتقاط قصة امرأة، كانت تبحث عن سرير نومها في ركام الحرب الدائرة. حوّلها في ذلك الحين إلى رواية «حاسة هاربة» (2008): «أدهشتني الحادثة يومها، عجوز تبحث عن سرير تحت القصف وفي ظل الحصار. ثم اكتشف في ما بعد أنها كانت تخبئ في فرشة السرير أوراق الطابو (أوراق الملكية) التي تخص منزلها في فلسطين».