بروكسل | «خلال السنوات الماضية اكتشفتُ حقيقتي: أنا ساحر وأمتلك قدرتيْن: أوّلاً، خلق الجمال. وثانياً، خلق شخصيات وأحداث خيالية تجعلنا نسافر إلى عوالم مختلفة كمن يسافر على بساط سحري». هذا ما قاله ميشال أوسلو عن شريطه الذي عرض في المسابقة الرسمية من «مهرجان برلين السينمائي» الأخير.

إذا تناسينا جوهر مهنة الحكواتي التي تعنى بتنشيط خيال البشر عبر آلية شفهية لا بصرية، يمكننا أن نقول إنّ «حكايات الليل» الذي نزل أخيراً إلى الصالات الفرنسية، يمثّل مبادرة خجولة تهدف إلى إعادة البريق للمسرح الحكواتي الكلاسيكي الأوروبي ونقله إلى الشاشة الكبيرة بالتقنية الثلاثية الأبعاد. من هنا، يمكننا أن نتفهم خيار المخرج اعتماد مسرح الظل الصيني وسيلةً أساسية للرسم، مشبّهاً الشخصية السينمائية بالدمى المسرحية أو «الماريونيت». لكن مشاكل كثيرة، منها السرد الهش والمتقطّع، حجبت هذه التجربة الجديدة، لا بل نسفتها في بعض الأماكن.
العمل شريط تحريك يغيب فيه السيناريو لمصلحة حكايات قصيرة يتلوها رجل عجوز مع شاب وشابة، يختلقون شخصيات وأساطير تحكي عن حضارات متنوعة من العالم القديم. خلال الفيلم، يتنقّل أوسلو من عالم إلى آخر. بدءاً من الصين، إلى الهند، ثم أفريقيا، وصولاً إلى أوروبا القرون الوسطى. على امتداد العمل البصري، تتضح لنا هذه العناية الغرافيكية الهائلة، وهذه الغرابة الزخرفية التي ترمز إلى العادات واللبس والتقاليد والحضارة في كل بلد يمرّ عليه الشريط. تتطابق الرسوم مع رسوم مسلسل «ساموراي جاك» في الكثير من النواحي. لكنّ هذا الكمال التصويري والبصري قتل السرد الشفهي الذي جاء عادياً وفقيراً، لم يسعفه إضفاء لكنات متنوعة كالفرنسية الأفريقية إلى الشريط....
يمكن بعضنا أن يقدّر تجربة أوسلو الجديدة فقط لأنها تسعى إلى حفظ مكان للحكواتيين في عالم يتجه إلى سينما ثلاثية الأبعاد. لكنّ عصرية هذه التجربة قضت على... الحكواتي!




«الآخر» أيضاً وأيضاً

الحكاية سرد قصير لمغامرات خيالية ذات هدف إرشادي. ميشال أوسلو خير مثال على ذلك. بما أنّ «حكايات الليل» موجّه إلى الصغار، فهو ىبشّر بتقبّل الآخر والاختلاف بين البشر. الشريط مستوحى من فيلمه السابق «أمراء وأميرات» الذي جمع قصصاً مختلفة، معتمداً مسرح خيال الظلّ الصيني. نحن أمام 6 قصص: اثنتان من التاريخ الحكواتي الفرنسي (القرون الوسطى، والنهضة)، والثالثة من أرخبيل الأنتيّ في البحر الكارايبي، والرابعة من أفريقيا، والخامسة من أميركا والسادسة من آسيا. ورغم أنّ الشريط لا يظهر من الشخصيات سوى ظلّها وأعينها، إلا أنّ أوسلو أظهر الاختلاف من بلد إلى آخر، ومن حضارة إلى أخرى، من خلال الأزياء والاستعانة بالضوء والألوان. هكذا، شاهدنا الغابات الواسعة في أنتيّ، والمدن المشمسة المكسيكية، وجبال التيبيت... عالم متنوّع ربطه خيط واحد هو الحضّ على التأمّل.

سيرة

اشتهر ميشال أوسلو (1943) بأفلام التحريك التي أنجزها طوال مشواره. كاتب فرنسي، ومصمّم شخصيات، ومخرج للعديد من أفلام التحريك، أشهرها «كيريكو والساحرة» (1998). في عام 1976، أنجز سلسلة «مغامرات غيديون»، ثم شريطه القصير الأول «المخترعون الثلاثة» (1979). وفي العام نفسه، نال جائزة «بافتا» عن هذا الفيلم في لندن. وفي عام 1983، نال جائزة «سيزار» عن شريط التحريك القصير الذي أنجزه بعنوان «أسطورة الأحدب الفقير». أخرج السلسلة التلفزيونية «سيني سي» (1989) التي أوحت إليه فيلمه «أمراء وأميرات» (2000) الذي صنعه معتمداً خيال الظلّ الصيني. كذلك، أنجز أوسلو أفلاماً طويلة عدة من بينها «كيريكو والساحرة» (1998)، و«كيريكو والحيوانات البرية» (2005) و«أزور وأسمر» (2006). وقد ترأس «الجمعية الدولية لأفلام التحريك» من عام 1994 حتى 2000.