تتشابه مأساة النازحين وظروفهم في كل الأماكن والأزمنة: الخِيَم المنتشرة، العيش من دون أدنى مقومات الحياة، والحنين إلى المنزل والوطن، والجرح المفتوح الذي سيتركه النزوح وتسببه الحرب. أمّا جرح الايزيديين في الكارثة السورية/ العراقية الحالية، فمفتوح على احتمال انتهاء وجودهم كطائفة، واتساع رقعة شتاتهم، بعد غزوة «داعش» الأخيرة إلى جبل سنجار، في شهر آب (أغسطس) من العام الماضي. قصدت نبيلة غصين الجبل بعد ستة أشهر على الواقعة، وعادت بشريطها الوثائقي «أيزيديو العراق – الإبادة رقم 73» (50 دقيقة).


من أقدم الطوائف في المنطقة تاريخياً، تعّرض الأيزيديون لـ 72 محاولة إبادة من الفرس، والرومان، والعثمانيين قبل أن تحقق «داعش» الرقم 73. تبدأ غصين شريطها بنبذة سريعة وعرض للمحطات التاريخية، ولعقيدة هذه الطائفة، والرسومات المميّزة والأسماء التي يقدّسها الأيزيديون، ما يدلّ على اختلافهم الواضح عن كل الطوائف والإثنيات في المنطقة. لذا تحوّلت الغزوة الى إبادة، وسُميت المخطوفات بالسبايا، فدين هذه الطائفة المصنّف غير سماوي، «جنى» على شعبها، كما حصل قديماً مع معظم الطوائف التي كان يعتنقها السكان الأصليون في آسيا وافريقيا، قبل ظهور من صّنَّفوا دياناتهم بالسماوية.
نبيلة غادرت وحدها. كان الاهتمام شخصياً. إعلامية تتابع دراساتها في الإنثروبولوجيا والأيزيديون مادة تاريخية واجتماعية مهمّة. وكان هجوم «داعش» قد كشف وجودهم لدى من يجهلهم. من بيروت إلى أربيل الى مخيم اللاجئين الأيزيديين في دهوك (إقليم كردستان العراق)، مرّ على المجزرة نصف سنة تقريباً. من خيمة إلى خيمة، ومن وجه إلى آخر، بدأت الحكايات والروايات. 48 ساعة من الجحيم، رواها من نجا سليماً أو مصاباً. أغلبهم لا يعرف شيئاً عمن فقدهم، فهم إما مجهولو المصير وإما في يد «داعش». في المخيم أطفال نجوا وحدهم بلا عائلاتهم أو حتى أقاربهم. يروي بعضهم لنبيلة غصين الأيام التي قضتها العائلات في العراء، بلا طعام، ولا ماء، تنتظر مجيء «الدواعش» في أي لحظة، فيما يدافع الرجال الأيزيديون في الأمام لإنقاذ العائلات خلفهم. أتت المساعدات المنتظرة. كانت الصناديق الضخمة الثقيلة تُرمى من السماء. لسخرية القدر، سبّبت تلك الحمولة الثقيلة الآتية من السماء للمساعدة، حوادث قتل أيضاً. أرادت نبيلة غصين العودة الى مكان المجزرة: «في دهوك، لم يقبل أحد بمساعدتي للعودة الى جبل سنجار، أولاً بسبب الخطورة، والحرب التي ما زالت دائرة هناك، وثانياً لأنني أنثى ووحيدة».


شهادات عن تفاصيل المجزرة ووضع الأسيرات في يد «داعش»
لكنها تضيف لـ«الأخبار» أنها لكونها أنثى جاءت وحدها من بلد آخر لمعرفة ما حصل مع الأيزييديين الأكراد، ساعد في قبولها والاهتمام بها من قبل العائلات والمقاتلين. ففي النهاية، هي جاءت من أجل الإضاءة على قضيتهم وإيصال معاناتهم. نجحت نبيلة غصين بالعودة الى جبل سنجار، ترافقها فتاة كردية، ومترجمها الأيزيدي الذي تعرّفت إليه في مخيم دهوك، وشابة كردية، برفقة مقاتلين من قوات حماية سنجار.
في الجبل المدمّر، مع الشباب والشابات الذين أتى بعضهم من أوروبا للدفاع عن سنجار، ستجد نبيلة الفرصة لطرح بعض الأسئلة خارج إطار المذبحة التي حصلت، ومعرفة كيف يعيش ويفكر الجيل الشاب من هذه الطائفة. وصلت إلى آخر نقطة يدافع عنها الايزيديون، حيث المناوشات والمعارك مع «داعش» مستمرة. استمعت إلى تفاصيل المجزرة التي ارتكبت. قصدت الأماكن التي هرب إليها الناجون حيث مكثوا في العراء، ليس لهم ولأولادهم إلا ظلّ الشجر يقيهم الشمس.
في طريق العودة، زارت غصين أيضاً «معبد لالش» (المعبد التاريخي الأهمّ لدى الطائفة الأيزيدية) الذي يحتضن أيضاً لاجئين، بخاصة النساء والأطفال. الجميع يصلّي، يطلب معرفة مصير المخطوفين لدى «داعش» ويطلب إطلاق سراحهم. من بين اللاجئات، نسوة استطعن الفرار من «داعش». لا تريد النساء أن يروين ما حصل. لكن غصين تصرّ على أن تعرف ما الذي تعرضت له الفتيات الأيزيديات. تقول نبيلة غصين: «اتفق الجميع على رواية واحدة، لم تذكر النساء ما تعرضن له. كنّ يخفن على مصير من بقي من أقربائهن بيد «داعش»، والأخريات في المخيمات يخَفْن الإشارة عليهن إذا خرجت القصة الى العلن». الأيزيديات «السبايا» يُجبرْن على الزواج بأحد أفراد «داعش» وإشهار إسلامهنّ.
لن تنتهي معاناة الأيزيديين. ما يهدّد وجودهم هو الدمار الشامل الذي يمنعهم من العودة إلى سنجار، المدينة التي كانت تضم 80% من الطائفة، والهجرة بكثرة الى أوروبا وتحديداً الى ألمانيا تنذر بإنهاء وجودهم في المنطقة. نبيلة غصين ما زالت تتابع قصصهم من لبنان: «ما زلت على تواصل مع أغلبهم، يوصونني بإيصال صوتهم وقضيتهم. يقولون إنّ وجودهم أصبح مهدداً، وأكثر ما يريدونه هو إطلاق المخطوفات». مصير وجودهم أمر لا تنتبه إليه وسائل إعلام كثيرة. في لبنان، لم تعرض أي قناة محلّية عمل نبيلة غصين، رغم اهتمام بعضهم بما وثّقَتْه وبتوقيته. والسبب كان الـ Rating، فالقضية الإنسانية التي لا تجلب عدداً كبيراً من المشاهدين، ليس لها مكان على الشاشة.

«أيزيديو العراق، الإبادة رقم 73»: 18:30 مساء الخميس 13 آب (أغسطس) ـــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 76/309363