مَوْسَقة الشعر ليست سهلة، ولعلّها تفترض نوعاً من «التواطؤ» بين الشاعر والموسيقي. ليس سرّاً أنّ تنغيم الشعر أصعب من غنائه، ويستلزم الاشتغال على عملية تظليل غنائية و«موسيقية» musicalité. معادلة مركّبة اهتدى إليها زاهي وهبي ورامي خليفة في أسطوانة «أغنّي لها/ قصائد حبّ» التي تصدر قريباً (روتانا). 12 قصيدة لوهبي، أحسن خليفة الإنصات إلى إيقاعاتها ونبض نبرتها التي تجمع بين الإنساني والوطني والعاطفي والفلسفي والروحاني...


إصغاء رامي إلى الأصوات والمعاني المهموسة ووَقْعها، مكّنه من «ترجمة» الشعر موسيقياً، وتنديته برنين البيانو. تنقّل بين الموسيقى التجريبية، والمينيمالية، والموسيقى الكلاسيكية الغربية المعاصرة، والمعاصرة التي تحمل خصائص نغمية طقسية آسيوية، وتحاكي الرومنطيقية... فيما تجنّب وهبي الأسلوب التقليدي في «تقديم» الشعر إلى الجمهور، ورَقِيَ إلقاؤه إلى مستوى تراجيدي. أتقن «لعبة» الإبطاء والإسراع، والوَقْف (توقّف يعقب نهاية إيقاعية)، وكيَّفَ صوته وفقاً لمتطلّبات التلاوة.
الهفوات الطفيفة في حركات اللغة (الفتحة بدلاً من السكون في كلمتَي ثقْب ونبْض، مثلاً)، لم تؤثّر سلباً في «أداء» زاهي، الذي اتّسم بالحيوية. الأسطوانة «تمثّل لقاءً بين جيلين، وقد خلق حضور رامي مزاجاً أكثر حداثةً منّي»، يقول وهبي، مضيفاً «بتسجيلنا هذا العمل، نجعل الشعر أكثر انتشاراً، ولا بدّ من اللجوء اليوم إلى آليّات مختلفة لإيصال النصّ الشعري إلى المتلقّي».
هكذا، يحاول الشاعر والإعلامي المعروف ردم المسافة بين الشعر والنثر من جهة، والمتلقّي (المستمع/ القارئ) الذي يعدّه «شريكاً في الإبداع» من جهة أخرى. بعض قصائده يخيّم عليها طيف نزار قبّاني («الغزَل» تحديداً)، ومحمود درويش. يفاجئنا أحياناً بلغة بسيطة تتخفّف من التفجّع العاطفي والغنائية: «أنتظرُ أحداً/ ينتظرُ أحداً آخر/ أنتظركِ/ وأفكّر في الذين هم مثلي ينتظرون/ دائماً ثمّة من ينتظر/ حبيباً تأخّر/ امرأةً لم تأتِ/ غيمةً ماطرةً/ قطاراً آخر يلي الذي انطلق».
بلغة تستثمر الجمالي، ونبرة تجمع بين المباشرة والبلاغة القديمة، يدحض مزاعم «الجلّاد» الإسرائيلي: «لو كان للجنديّ حقّاً أرضٌ/ (...)/ وذاكرةٌ، كما يزعم، غابرة/ وأسلافٌ عاشوا بيننا/ تقاسموا الحنطة والنهر والزمهرير/ عانقوا فجراً ينبلج من ثغر فلاحة/ أكان ليقتلع شجرة أكبر سنّاً من الأنبياء والمرسلين؟» (قصيدة «على كرسيّ متحرّك»). هذه الأسطوانة وديوانه الأخير «رغبات منتصف الحبّ»، يظهران نضوج تجربته الشعرية. أبى زاهي وهبي أن يلتحق بزمن الحداثة الثانية لقصيدة النثر. مع ذلك، تشي بعض قصائده الأخيرة بانعطافة نوعية في شعره.