حالما بدأت قناتَا «المنار»، والفضائية السورية عرض مسلسل «الغالبون»، انطلقت حملات تشكّك في صدقيته، وتتهمه بتزوير التاريخ. العمل الذي يروي نشأة المقاومة الإسلامية عام 1982، كتبه فتح الله عمر، وأخرجه السوري باسل الخطيب. وقد نال هذا الأخير نصيباً وافراً من الهجوم، فدعاه بعضهم إلى تقديم اعتذار رسمي عن «التشويه والمغالطات الموجودة في المسلسل».

هكذا انطلقت صفحات على فايسبوك بعنوان «الكاذبون»، و«المنافقون» حيث شُنَّت حملات هجوم على العمل، فكتبوا «تزويركم للتاريخ عبر مسلسلكم الهدّام، لن ينال من عزيمة المقاومين والأبطال الحقيقيين.... في معركة خلدة».

وقام المشرفون على صفحة «حفاظاً على التاريخ قاطعوا مسلسل «الغالبون»» بنقل روايتهم لتفاصيل معركة خلدة التي وقعت عام 1982، وهي إحدى أبرز النقاط الخلافية حول المسلسل.
إذ يتّهم المنتقدون العمل بالحديث عن المعركة كأنّ «حزب الله» هو الذي واجه الإسرائيليين منفرداً، فيما تصرّ فصائل أخرى على أنها كانت رأس الحربة في المواجهة. ويقول هؤلاء إنه منذ تلك المواجهة الشهيرة «انطلقت المقاومة ضد قوات الاحتلال، وليس في أي تاريخ آخر، وليس صحيحاً كل الكلام الذي قيل من بعض الأطراف عن أنّ العملية الأولى حصلت في هذا المكان أو ذاك».
وتعرض الصفحة مزيداً من الوقائع والتفاصيل حول الموضوع التي لا يدعي العمل عكسها. الخطأ الوحيد الذي وقع فيه المسلسل كان عدم الإشارة إلى الجهات التي خاضت المعركة، من دون أن يدّعي في أي مشهد من مشاهده أنّ المقاومة الإسلامية كانت وحدها في الواجهة. أكثر من ذلك، فإن «الغالبون» لم ينسب مواجهات خلدة إلى المقاومة الإسلاميّة، بل إلى شباب أسهموا لاحقاً في تأسيس «حزب الله». الأمر نفسه ينطبق على المنظمات التي قاتلت إلى جانب التنظيمات الفلسطينية في المخيمات، فلا يشير المسلسل إلى أنها أحزاب يسارية، لكنه في الوقت نفسه لا ينسبها للمقاومة الإسلامية.
أمر آخر أخذ نصيبه من النقاش على صفحات فايسبوك هو دور الإمام موسى الصدر في المقاومة. حتى الساعة، لم يتطرّق العمل إلى دور مؤسس «حركة أمل» في إطلاق المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. باختصار، يدعو المنتقدون قناة «المنار» إلى إيقاف عرض العمل فوراً «إن أرادت المحطة إخماد الفتنة التي أيقظتها».


وإن كان الهجوم قد اشتدّ حالياً على المسلسل، فإن الحملة الموجّهة ضدّ العمل بدأت قبل أسابيع من شهر رمضان. يومها، قيل إن «المنار» ستسحب «الغالبون» من برمجتها الرمضانية أو ستسحب مشاهد الممثلة دارين حمزة منه بعد ظهورها «الجريء» في فيلم «بيروت أوتيل» للمخرجة دانيال عربيد. لكن المحطة اختارت عدم الردّ على هذه الشائعات، وعرض العمل كاملاً من دون حذف أي مشهد. وها هي اليوم تعيد الكرّة وتنأى بنفسها عن الدخول في سجالات حول الاتهامات السياسية التي وجّهت أخيراً للمسلسل على صفحات فايسبوك.
ورغم هذه الضجّة، يتوقع مدير «مركز بيروت للإنتاج الفني» بلال زعرور انحسارها سريعاً، «لأننا نضيء دراميّاً على نشأة المقاومة الإسلاميّة فقط، ولا ندّعي التوثيق لمرحلة الثمانينيّات. «الغالبون» عمل يحاكي الواقع وليس واقعيّاً كلياً، ولو ضم شخصيّات حقيقيّة».
ويبقى اللافت أنه رغم حملات الهجوم العنيفة على المسلسل، يبدو أن «الغالبون» ـــــ الذي يتردد أن كلفته الإنتاجيّة قاربت مليونَي دولار ـــــ نجح في رفع نسبة مشاهدي شاشة «المنار» خصوصاً أنه يقدّم قصّة مشوّقة بتنفيذ متقن لباسل الخطيب. لقد صوّر المخرج السوري مشاهد المعارك والمجازر باحترافية عالية، إلى جانب مشاهد تدريب المقاومين والعمليّات الاستشهاديّة. وما أسهم في جذب الجمهور هو أداء الممثلين، وبينهم طوني عيسى ومازن معضم اللذان قدما مشاهد التعذيب في المعتقل بصورة مقنعة. كذلك، نجح أحمد الزين في شخصية والد المقاومين، وعبد المجيد مجذوب في شخصيّة الحاج أمين (أحد موجهي المقاومين)، وعمّار شلق في شخصيّة الشيخ راغب حرب، وقاسم إسطمبولي في شخصيّة الشهيد أحمد قصير، ومجدي مشموشي في شخصيّة ناصر الذي يقاوم في صفوف المنظمات الفلسطينيّة قبل انخراطه في المقاومة الإسلاميّة إثر استشهاد ابنه وزوجته، ومعهم ختام اللحام، ووفاء شرارة، وفؤاد شرف الدين، وبيار داغر، وبيار جماجيان، ويوسف حداد، ومجموعة كبيرة من الممثلين اللبنانيين.
بغض النظر عن بعض المغالطات التي يحتويها «الغالبون»، يبقى هذا الأخير أول عمل يوثّق دراميّاً لحركة المقاومة الإسلامية في تاريخ لبنان الحديث. مع ذلك، يؤخذ عليه قراءته التاريخ من وجهة نظر رجالات المقاومة الإسلاميّة وحدهم.