رام الله | رام الله العاصمة الثقافية لفلسطين؟ قد تبدو علامة الاستفهام في آخر الجملة «جريئة»... أو هكذا بدت حين قررت بلدية رام الله ودائرتها الثقافية، إفراد حيز من احتفالات الصيف، «وين ع رام الله الثالث»، لمؤتمر بعنوان «رام الله والتنمية الثقافية اليوم». افتتح المؤتمر بندوة إشكالية حملت عنوان «رام الله العاصمة الثقافية لفلسطين؟».

الورقة (المفهوميّة) التي نشرت قبيل الندوة، عكست حالة من التعقيد في تحديد مساحة النقاش. وقد ساد التوجّس من «تكريس المدينة عاصمة ثقافية لفلسطين، من منظور الإعلام الغربي والمحلي». تكريس يجده البعض مبرراً بمظاهر حراك ثقافي في مقدِّمتها «الهجرة المتصاعدة للمؤسسات الثقافية نحو المدينة»، وبتصوير رام الله كـ«مدينة الاختلاف»، بتركيبتها الاجتماعية المتمايزة عن غيرها من المدن الفلسطينية. بدت المقاربات الأولية للندوة، أشبه بسيل من الأسئلة والمشاهدات لواقع المدينة المتغيِّر بتسارع كبير. فالتحولات تطاول مشهد المدينة وشكل البناء فيها، ونوعية السكان والوافدين وعددهم المتزايد، يضاف إلى ذلك تركيز السلطة الفلسطينية لمؤسساتها الحكومية والأمنية فيها.
لعلَّ نقطة التلاقي الوحيدة التي حملتها الندوة، تمثَّلت في رصد الحراك الثقافي في المدينة. فهي مركز لا يهدأ على صعيد المهرجانات الفنية، لدرجة تبدو معها كأنَّها في حالة احتفالية متواصلة، كما تنشط العديد من المؤسسات في ميدان النشر الأدبي، وورش الكتابة الإبداعية بكلِّ أنواعها.
في مقاربتها للمشهد الثقافي داخل رام الله، رأت الباحثة في علم الاجتماع ليزا تراكي أن «الوقوف اليوم للتساؤل عن رام الله كعاصمة للثقافة في فلسطين، بعد سنتين من تنصيب القدس عاصمة للثقافة العربية، يأتي كجزء من ضجة عارمة تثار عن المدينة». وأشارت تراكي إلى التعامل مع رام الله سياسياً وثقافياً كـ«منطقة خضراء»، بكل ما يحمله هذا الوصف من دلالات استعمارية... وذلك مع التنويه بالتحليل الذي يرى في رام الله نموذجاً لإعادة إنتاج المدن في المحيط العربي بطابع خدماتي حديث، على شاكلة عمّان ودبي وغيرها.
كانت مداخلة تراكي بمثابة تلخيص لبحثها الطويل الصادر ضمن كتاب «أمكنة صغيرة وقضايا كبيرة: ثلاثة أحياء فلسطينية في زمن الاحتلال» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية). الكتاب الذي وقّعته مجموعة من الباحثين، محاولة لفهم التركيب الهائل في الحالة الاجتماعية لرام الله. يضيء العمل على تصورات المدينة كما يريدها سكانها، والوافدون إليها، واللاجئون فيها، داخل مخيمات باتت أحياء، إضافةً إلى السلطة الفلسطينية أو طبقتها الوسطى الحديثة... وقبل كل ذلك ومعه، ماذا يريد الاحتلال لرام الله؟ وعلى وقع كل ذلك تتشكل هوية المدينة، ويحضر السؤال المستمر عن شكل الثقافة في رام الله «إن كان الشارع المسمى إدوارد سعيد هو أضيق شارع في المدينة وأقلها ارتياداً»، تذكر تراكي.
وعند البحث في انعكاس واقع المدينة على الثقافة أو تشكيله لها، «تظهر العمارة كمجال خصب للدراسة والقراءة»، بحسب يزيد عناني، أستاذ الهندسة المعمارية في بيرزيت. ويخلص عناني إلى ما يسميها «متلازمة رام الله»، وهي عمار هجين يجعل العلاقة مع المكان ملتبسة. كأنّ «رام الله تحيا في فقاعة تفصلها إلى «داخل» و«خارج»، وكلُّ ما في الجهتين متمايز، حتى إنّ الاحتلال يبدو كأنَّه «خارجها» فقط». وأوضح عناني في هذا السياق أثر نظام «الكانتونات» الذي طبّقته إسرائيل، وما ترتّب عليه من قطيعة بين المدن الفلسطينية.
بلدية رام الله، التي نظّمت الندوة، أرادت، بحسب مسؤولة دائرتها الثقافية والمجتمعية فاتن فرحات، «السعي إلى مواكبة التغيّرات المهولة في المشهد الثقافي في رام الله، على اعتبار أنّها كهيئة محلية، تحمل رؤية السكان وتصوّرهم لمدينتهم». وجاءت الندوة لتستهدف البحث في التنمية الثقافية، ما جعل جلّ البحث يدور حول بيئة العمل الثقافي، وإمكانات توفير الموارد المالية، من دون الالتزام بشروط المانحين، ومن دون الاتكال على وزارة الثقافة الرازحة تحت فاقة مادية.
النقاش المنجز على عجل، قد يترك المجال مشرَّعاً أمام «بحث جديد، يعزِّز دور البلدية كهيئة محليَّة في التطوير الثقافي الملتزم بالحاجات والأولويات المجتمعية» لمدينة تعامل كعاصمة... وإن لم تكن.