الجزائر | القراءات التي توصلت إلى نتيجة أن ادمون جابيس (1912 ــ 1991) في مؤلفه «كتاب الهوامش» (الصادر عام) أبدى تأثره بمفكرين وشعراء وروائيين محددين، لم تكن دقيقة جداً. فحتى لو شكلت نصوص موريس بلانشو، وغابريال بونور، وروجي كايوا، وجورج باتاي وبول أوستير ورينيه شار وغيرهم هاجساً لدى جابيس، إلا أنها لم تكن في «كتاب الهوامش» إلا مطية استعان بها لكتابة نص تجاوز ببراعة كل تلك النصوص التي استشهد بها هذا الشاعر الفرنسي المولود في القاهرة عام 1912. على تخوم التصنيف، يتموضع «كتاب الهوامش» الذي صدرت أخيراً ترجمته العربية («دار ضفاف» في لبنان و«منشورات الاختلاف» في الجزائر ـ تعريب المغربية رجاء الطالبي)، كنص مربك مستعص على أي صنف أدبي سبق وكُتب فيه.


إنه نص الـ»لا نص»، يترجم مأزق الهوية الذي كثيراً ما كتب عنه جابيس، وارتبط بما ليس فيه شك بيهوديته، إلى واقع الإنسان المستغني عن الانتماء الوضعي والديني، كإجابة صارمة وصريحة للسؤال الأزلي المتعلق بالوجود ومن ثمة الانتماء.
بالطبع، لم يستطع جابيس الاستغناء تماماً عن صوت «اليهودي الضحية»، يهودي الهولوكست، ولكنه على الأقل حاول إخفاء هذا الصوت خلف كم هائل من الأصوات: صوته، صوت الإنسان المتشبث بانتمائه الإنساني فحسب، وأصوات أكثر من 43 كاتباً وشاعراً ومفكراً، أسهموا بشكل أو بآخر -ولو موقتاً- في رغبة جابيس الأخيرة في النظر خارج سياج «اليهودي الضحية» لرؤية عالم أرحب يستحق الانتماء إليه. أصوات شكلت في المجمل متناً حسره جابيس بهوامشه النصية إلى حد تواري المتن خلفها.


نص الـ«لا نص» يترجم
مأزق الهوية الذي كتب عنه
مراراً، وارتبط بيهوديته


في «كتاب الهوامش»، استحضر ادمون جابيس قدراته العقلية ليدفع بالإبداع إلى حدود قلّما وطأتها قدما مبدع. يكتب بجنون ليبلغ فهم العقل، لهذا ربما يتماهى هذا النص مع الفلسفة أحياناً، ولهذا أيضاً استعصى فهم جابيس في أغلب نصوصه، إلى حد أنّ المؤرخة والمنسقة الفنية الفرنسية كاترين دافيد تساءلت قبل سنوات إن كان إدمون جابيس شاعراً أم متصوفاً أم حبراً؟
يجيب «كتاب الهوامش» عن هذا السؤال بتفضيله الـ»لا إجابة»، كطريقة للقول بأن التصنيف قتل للمصنف وهدر حقيقي لوقت لا يملكه المبدع المهووس بفكرتي البداية والنهاية على غرار جابيس المؤمن بمقولة ماكس جاكوب: «يمكنني أن أبدأ كل شيء من جديد، ولكن الموت لا يترك لي الوقت». وهو في ذلك يستحلي كتابة فصول كلما توهم القارئ المعنى في بعضها، كلما أدرك حقيقة أنه يقرأ نصاً يؤسس لهدم النص.
تبدو مواضيع الكتاب وحتى تقسيماته اعتباطية، نظراً إلى التشتيت المقصود للنص على مستوى الكلمة والجملة وحتى على مستوى المعنى. ثمة متعة غريبة، سادية أحياناً، في الهدم والشطب، ومحاورة أكثر من متلق في الوقت عينه كأنها كتابة تسابق الزمن. لكنها في الحقيقة على خلاف ذلك تماماً. جميع نصوص «كتاب الهوامش» تستحضر نصوصاً وعبارات لغير الكاتب وتقوم بمحاورتها، لا بهدف الشرح وإتمام المعنى وإنما لتقول عنها ما عجزت عن قوله.
استعانة إدمون جابيس بما اعتبره قراء الكتاب متن النص، لم يكن في سبيل استحضار من تأثر بفكرهم وإبداعهم، بل كانت غايته ــ غير المعلنة بالطبع- هو إظهار مدى قدرة الكتابة - كتابته هو- على الاشتغال على هامش كتاباتهم لتحوطها ثم تبتلعها لاحقاً. «كتاب الهوامش» دليل يثبت بلا أدنى شك قدرة الهامش في أن يكون متناً.



شاعر اللانتماء

يُعد ادمون جابيس واحداً من كبار شعراء اللغة الفرنسية. ولد في القاهرة عام 1912، وغادرها عام 1957 ليستقر في باريس، حيث توفي عام 1991. اكتشفه ماكس جاكوب عام 1935. اقترب من السوريالية، لكنه رفض دائماً أن يكون عضواً في جماعتها. يمتاز شعره بالحكمة، وكذلك يُعرف بأنه شاعر اللاانتماء، وشاعر التيه والفراغ. وصفه النقاد أيضاً بأنه شاعر المنفى، إذ ثمة مكانان حقيقيان يعودان دوماً في كتبه، هما الصحراء ومصر. عاش طيلة حياته بعيداً من وسائل الاعلام، ولم يجر سوى مقابلات قليلة مع الصحافة، اشترط فيها أن تكون مكتوبة بخط اليد.