قصائد طويلة بين دفتّي مجموعة غسان علم الدين الخامسة. تميل «أخضر في سهول الجراد» الى الشكل الغنائي، وتتكوّن من ستة مقاطع، وأحياناً خمسة أو سبعة، يحاول فيها علم الدين (1967 ـ مواليد طرابلس) الاقتراب من فكرة تقنية مُحدّدة لقصيدته في شكل جديد، شكل مرن من دون أن يكون فوضوياً.

الغنائية الحزينة في ديوان الشاعر الذي صدر على نفقته الخاصّة، ذات صلة جوهرية بجميع القصائد المائلة الى التصويرية، والمُخففّة في مذاقها الإيحائي أو الفانتازي. تخفيف الحزن هنا مُتأت من الروح الساخرة التي تستبطن المواقف من الحياة وناسها ومشاهدها. نكهة هزلية في هذا الموضع النقدي وذاك، وإنحياز للقيمة التعبيرية للأصوات – أصوات الشخصيات – التي يستخدمها الشاعر بطريقة واعية.
عند علم الدين، ذلك التناسب بين الأصوات والأفكار والمشاعر، مستلهمة من ذوق طبيعي وحركية الروح والحساسية. نجد أيضاً أن قصائد المجموعة بعيدة عن التأليف، تلقائية، لكن مُسيطر عليها من شاعر يراقب سطورهُ ويوّجهها بشكل واع في محاولته إثبات مدى العناية التي يوليها لصياغة الشكل.

علم الدين الذي أمضى سنوات طويلة ولو متقطّعة في استراليا، لا ينكر التأثرات التي تدهم قصيدته من العالم الخارجي. يقول: «نحن نعيش في هذا العالم المفتوح على كل شيء، ولا يمكننا العيش معزولين بعيداً من تأثراتنا به. نحن في الأساس أبناء قراءة الكتب المتسلسلة والأفلام المصوّرة والموسيقى والسينما وأفلام خيال الظل والخيال العلمي. كنّا نصدّق بقوة ونفكر في وجود بطل حقيقي مُجرّد من الأحقاد، نقي وشفّاف. كنّا نعتقد طبعاً بوجود أحد خائن، حتى كبرنا فوجدنا أن الخونة أكثر بكثير من الأبطال، بل إنّ لا أحد بطل بمعنى ما. يظل هاجس البحث عن بطل يدفعك من فكرة وجود المُخّلص. أنا اقرأ لكثيرين، لكن حالما افرغ من قراءتهم، أشعر أنني لم اقرأ شيئاً. هذا إجابة عن تأثر كتاباتي بكتابات آخرين. مجموعتي الجديدة لا علاقة لها بكل ما يسموّنهُ تأثرات سواء في الفنون البصرية المشهدية، أو المقروءة. أنا انقطعت عن قراءة الرواية منذ أكثر من 20 سنة. كذلك، انقطعت عن مشاهدة الأفلام والمسلسلات والى ما هنالك من متابعات أدبية أو فنية، ما عدا مواصلة علاقتي وفضولي وشغفي ورغبتي وانغماسي في اكتشاف الجديد الكامن في الكتب.
قراءة الشعر ومتابعته، لا تعني بالنسبة إليّ التأثر بما قرأت وما تابعت. أنا أقرأ من أجل الوقوف على التجربة ومنعطفاتها ومآلاتها، والى أين أفضى الشعر راهناً.


القصيدة الطويلة تحتاج
إلى تقنيات وفنيات أكثر
من تلك القصيرة
وهنا أختلف تماماً مع الذين يزدرون الشعر ويأنفونه، ذلك أن الشعر أضحى تهمة أو شيئاً مُعيباً سواء عند أصحاب دور النشر أو عند بعض النُخب المُدّعية». هل من تقنيات خاصة بالقصيدة الطويلة كما في كتابك الجديد؟ يجيب: «كما ترين في مجموعتي الجديدة، فالقصيدة الطويلة تحتاج الى تقنيات وفنيات أكثر برأيي مما تحتاجه القصيدة القصيرة، لأن الفكرة في القصيدة الطويلة لا تعود هي المحور، بل الاشتغال والتجريب والعمل على اللغة، وضبط مخارج المقاطع، وتشظيات اللغة في اللغة نفسها». ما الهدف من تكرار مفردات بعينها كما في مجموعتك؟ يجيب: «أجل، هناك مفردات تتكرر في مجموعتي، لا تزيد عن ثلاث أو أربع تتكرر هي نفسها، وهي تتوالى كأنها تشكيلات تعرف مواقعها في سينوغرافيا القصيدة. المفردة في سطر تعني شيئاً، بينما في سطر آخر تعني شيئاً مُغايراً تماماً. هذا يُعينني على استواء فكرتي في هذه المجموعة». ما زال علم الدين يؤمن بالشعر «وسط هذا الخراب العميم. أرى أنه تلك الحالة التي تجعل أحدنا أكثر تناسقاً وانسياباً مع «مفارم» هذا الواقع الجبّار الذي يطحن بنيان الإنسانية الجميل منذ أول شهقة حب، حتى آخر عمل سينمائي تصعب الإحاطة به عبر العين وحتى عبر الدماغ. في هذه الشراسة المستشرية، نلجأ إلى الشعر الكامن في كل متخيل وفي كل بحث عن حياة عذبة غير متحققة».