الرباط | لا شكّ في أن سخرية جمال بودومة في برنامجه «لخبار يجيبوها التاليين» تزعج «القناة الثانية» في «التلفزيون المغربي». البرنامج الكوميدي يقدّم في كل حلقة تحقيقات صحافية «من قلب الحدث». لكن طبعاً تُقدّم التحقيقات بأسلوب ساخر لإيصال رسالة معيّنة. مثلاً في الحلقة الأولى، تناول بودومة ـــــ متخرج في «المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي»، ومقدم الأخبار في قناة «فرانس 24» ـــــ موضوع الهجرة المغربية إلى فرنسا. إلا أنّه قدّم الفكرة بطريقة معاكسة. هكذا شاهدنا سيّدة فرنسية تحاول تقديم طلب هجرة إلى المغرب لتعمل في «حمّام بلدي». لكنّها تواجه تعنّتاً في السفارة المغربية في باريس. كذلك فإنّ الموظّفين هناك يعاملونها بطريقة فوقية مزعجة. إذاً، بهذه الطريقة الذكية، عالج بودومة ملف الهجرة المغربية إلى فرنسا من خلال تحقيق مفبرك، تحوّل فيه المغرب إلى حلم للفرنسيين.

وقد تكون هذه السخرية هي التي أزعجت إدارة «القناة الثانية»، فاختارت عرض البرنامج في رمضان مساء كل جمعة وسبت وأحد (يعرض بين الساعة التاسعة والعاشرة مساءً)، بدل بث ثلاثين حلقة. مصدر من داخل المحطة يقول لـ«الأخبار» إن «العقد الذي جمع القناة وشركة إنتاج البرنامج نصّ على تقديم ثلاثين حلقة خلال رمضان». لكن سرعان ما ألغي البرنامج نهائياً مع انطلاق رمضان، قبل أن تتراجع إدارة القناة وتبثه في نهاية الأسبوع.
وقد يكون التصور الجديد للبرنامج والاحترافية العالية في إنجاز التحقيقات الساخرة، قد جعلا بعض المشاهدين يعتقدون أنه برنامج حقيقي. هكذا انتقد ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي التحقيق الذي تناول موضوع الهجرة. وظنّ هؤلاء أن التقرير هو مادة مدفوعة الأجر هدفها «الإساءة إلى فرنسا وثني المغاربة عن الهجرة إليها...». في المقابل، تناقل أكثر من ألفي شخص رابط الحلقة على فايسبوك، ونشرت عشرات التعليقات الإيجابية عنها.
الحلقات التي تلت حلقة الهجرة توغّلت في الكوميديا والاحتفاء بالتناقضات، ومنها حلقة... اللصوص. في وقت يعيش فيه المغرب على وقع حراك احتجاجي واسع، قدّم بودومة حلقة عن «تظاهرات واحتجاجات واسعة للصوص». وقال إنّ «الحركة النضالية للصوص المغرب الصغار دفعت بهم إلى الاحتجاج أمام البرلمان. والمطلب الأساسي الذي رفعوه هو المساواة بينهم وبين... اللصوص الكبار إلى جانب منحهم ظروف عمل طبيعية كما تمنح للصوص الكبار في الإدارات والوازارت».
البرنامج الكوميدي اعتمد في الحلقات التي بثت حتى الآن على الجمع بين الثقافة الشعبية، أي الأمثال، والحكم، وبعض العبارات الشعبية من جهة، وبين سخرية المواقف المتناقضة من جهة أخرى... وإذا كانت كل الإحصاءات تثبت أن مواطني المغرب من أكثر الشعوب التي لا تحبّ القراءة، فإن إحدى حلقات «لخبار يجيبوها التاليين» جعلت المغاربة شعباً محباً للمطالعة بل واقعاً في غرامها. هكذا، شاهدنا كيف يقرأ الطفل من 6 إلى 7 كتب في اليوم، ويدمن القراءة كل من عامل البناء، وسائق سيارة الأجرة. بل حتى النساء في الحمام يتحولن من النميمة إلى مناقشة الكتب. ورغم أن أغلب الممثلين في البرنامج من المواطنين العاديين، أو طلبة معهد المسرح، إلا أنهم استطاعوا تقديم أداء مقنع...
لكن يبدو أن عوامل النجاح التي اجتمعت في هذا البرنامج لم تقنع «القناة الثانية»، فحاولت «اغتياله» من خلال عرضه في أوقات لا تلقى نسبة مشاهدة عالية... فهل تنجح؟ أم أن مضمون البرنامج يكون أقوى من البرمجة، فيصل إلى أكبر عدد ممكن من المغاربة؟