السبت الماضي، قرّر البرلمان العراقي وضع جدول أعماله جانباً لمناقشة ملفّ «أكثر خطورة» وهو... مسلسل «الحسن والحسين ومعاوية». هكذا قرّر نواب العراق التصويت على طلب قدّمه مئة نائب عراقي يطالب بمنع بث المسلسل على الفضائيات العراقية، رغم أن محطة عراقية واحدة تعرضه هي «قناة بغداد». والمفاجأة كانت أن معظم النواب وافقوا على هذا الطلب من دون توضيح أسباب أو خلفيات هذا القرار، ومن دون أن تسمح رئاسة البرلمان لأي نائب بمناقشة مشروع القرار!

إذاً ترك البرلمان هموم العراقيين المعيشية والأمنية جانباً، وخصص إحدى جلساته لمناقشة قرار منع... مسلسل. وكان هذا الأخير قد نجح في تسجيل سابقة مهمة، وهي توحيد الآراء بين ديوان الوقف السني وديوان الوقف الشيعي في العراق، اللذين رفضا العمل بالإجماع بحجة «إثارة الحساسيات الطائفية في البلاد»... وكانت معظم المواقف الرافضة لعرض العمل قد اعترضت على الحقيقة التاريخية التي يدور حولها العمل، لا على ظهور الحسن والحسين. المسلسل الذي كان اسمه «الفتنة الكبرى» يسلط الضوء على أعظم فتنة ظهرت في التاريخ الإسلامي، وأدت إلى تقسيم المسلمين إلى ثلاث جهات رئيسية، هي السنّة والشيعة والخوارج.
وقال معتمد المرجع الديني علي السيستاني في كربلاء إنّ «المسلسل ينطوي على الكثير من التزييف والكذب والتحريف، كما أن النص كتبه أشخاص يختلفون مع عقيدة أتباع آل بيت النبي...»، أي إن المسلسل كتبته طائفة من دون الرجوع إلى رأي الطوائف الأخرى.
أما منتج العمل محمد العنزي، فقال إن فكرة المسلسل كانت «تصحيح وجهات النظر بشأن تلك الحقبة الحرجة، وكشف حقيقة الدور اليهودي الذي شق صف المسلمين وأشعل جذوة الفتنة... وإن الصحابة كانوا على وفاق دائم، لكنّ أيادي خفية هي التي حركت الفتنة...». إذاً مرة أخرى نسمع الحديث عن محاولة إظهار «حقيقة تاريخية» وسط تلاطم وتناقض كبيرين.
الغريب أن بعض أعضاء البرلمان العراقي أبدوا استغرابهم لعرض المسلسل، قائلين إنّه «يثير الفتنة الطائفية ويشوه الحقائق التاريخية». خاف إذاً نوابنا من إثارة عمل فني فتنة طائفية، فيما دماء العراقيين لا تزال تسيل على الطرقات منذ ثماني سنوات بسبب فتنة أبطالها حقيقيون، ويطربوننا يومياً بخطابات عن «الوحدة الوطنية».




سابقة تاريخية

سجّل «الحسن والحسين ومعاوية» سابقة «وحدوية» لم تشهدها المنطقة العربية قبلاً. إلى جانب رفض ديوان الوقف السني وديوان الوقف الشيعي في العراق للعمل، عبّر كل من «مجمع البحوث الإسلامية» في الأزهر في مصر، ودائرة الإفتاء الأردنية، وهيئة كبار العلماء في السعودية عن رفضهم لعرض هذا المسلسل المثير للجدل. وهو ما دفع البعض إلى القول إن عرض المسلسل سجّل حالة تمرد على الجهات التي احتكرت الرأي الديني والتاريخي لسنوات طويلة... وهي الجهات نفسها التي أصدرت أحكاماً بالموت والتكفير بحقّ فنانين ومثقفين في الأعوام الماضية.