«نحن مؤسسة غير مسيّسة تهدف فقط إلى إنجاز البحث العلمي الموضوعي وترويجه». بهذه الجملة، بدأ رئيس مجلس أمناء «بيت الحكمة»، شمران العجلي الندوة التي أقامتها المؤسسة العراقية منذ أيام في «فندق سفير» البيروتي، للتعريف عن نفسها و«مدّ الجسور مع النخب العلمية اللبنانية»، كما ورد على لسان العجلي.

من خلال أقسام الدراسات العلمية الثمانية التي تديرها (دراسات تاريخية، فلسفية، دراسات الأديان، دراسات اقتصادية، اجتماعية، قانونية، دراسات الترجمة والدراسات السياسية)، تسعى المؤسسة التي أنشئت منذ 1995 إلى ترسيخ حضورها إقليمياً والإفادة من النخب الثقافية العربية، بما فيها اللبنانية. وبعدما افتتحت مركزاً في مصر، ها هي تمدّ اليوم جسورها إلى لبنان.
خلال طرحهم للرؤية الثقافية التي تحرّك «بيت الحكمة»، لجأ أعضاء مجلس الأمناء في المؤسسة إلى مصطلحات ضبابيّة مثل «بناء الإنسان» و«بناء الأمة»، بعيداً عن معطيات الواقع وتحدياته، ما ترك الحاضرين معلّقين بين النيات الطيبة والرمال المتحرّكة للواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي من بغداد إلى دمشق، ومن القاهرة إلى بيروت. ودعا المتحدثون باسم المؤسسة الباحثين الحاضرين إلى مدّهم بالاقتراحات، بل والانضمام إلى الهيئة الاستشاريّة. كذلك بدا أن أحد الأهداف الرئيسية لـ«بيت الحكمة» العراقي، هو تمويل مشاريع الأبحاث ونشرها، لكنّه لم يعلن أي بروتوكولات تعاون مع باحثين أو مؤسسات لبنانية.
أما الخطاب المتعلق بهوية المؤسسة فاكتنفه بعض الغموض أيضاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رؤيتها بشأن «ضرورة مواكبة التغيير العاصف بالأمة وترشيده»، كما جاء في مداخلة العجلي الذي لم يحدد ماهية التغيير المقصود، فيما بدا الملحق الصحافي للمؤسسة قاسم البديري محايداً في موقفه من الاحتلال. وصرّح البديري لـ«الأخبار»: «مشروعنا ثقافي، لسنا حزباً، لكنّ مصير أي احتلال هو الزوال». حتى المؤتمر السنوي الذي أعلنت المؤسسة إقامته في تشرين الثاني (نوفمبر) في بيروت، لم ينج من العناوين الفضفاضة التي أدرجَت تحت شعار «بناء الدولة، بناء العراق». المؤسسة التي تؤكد استقلاليتها رغم المظلة الحكومية التي تغطيها، ستفرد في المؤتمر محوراً يتعلق بـ«دور مؤسسات الأمن والجيش والشرطة في بسط الأمن السياسي والفكري والاجتماعي والقضاء على الطائفية». وقد عبّر بعض الحاضرين عن حذرهم من «المؤسسات التي تنطلق بتمويل عالٍ وبحماسة فولكلورية، ثم لا تلبث أن تخمد حماستها»، في إشارة إلى تجربة «مؤسسة الفكر العربي» التي انطلقت قبل أقلّ من عقد. لكن من المبكر الحكم على هذه المؤسسة العراقيّة التي قد يكون لها دورها الفعّال في مجال البحث العلمي العربي. هذا ما سيبينه الوقت.