في كتابه الجديد، لا يعود شوقي عبد الأمير (1949) إلى مناخات التاريخ القديم، تحديداً إلى المرحلة الفرعونية في مصر، بقصد المعرفة والبحث عن ملامح الحقيقة والتنقيب في دلالتها. مهمة الشاعر كما يمارسها صاحب «ميلاد النخلة» إيجاد الذرائع الجمالية ونبش الصور والمجازات من سياقات الحوادث التاريخية وسير الشخصيات الأسطورية والميثولوجية.

في كتابه الجديد «الوجه الخامس لمسلّة الأنا» (دار الغاوون)، اختار الشاعر العراقي المقيم في بيروت منذ 1996، والمشرف على مشروع «كتاب في جريدة»، أن يعيد إنتاج ذاته ساعياً إلى تأويلها، وهو يفعل ذلك، عبر قراءة هادئة وعميقة ومبتكرة لأساطير فرعونية قديمة تنفتح على مخيلات وحقب تاريخية مختلفة. يحضر أخناتون ورمسيس، وديوجين الإغريقي، وجيوش الإسكندر ورأس الحسين، داخل بنية شعرية متماسكة، تنوعت أشكالها التجريبية والتعبيرية. هكذا يتخلّص الموضوع من صلابته التاريخية، وتذوّب الأفكار داخل صياغات وأشكال لغوية سلسة: «كنت هنا/ أتجول بين المتوسط والبحر الأحمر/ عندما فتح المصريون الشريان الترابي/ مخترمين ثقب الإبرة/ التي بها أعيدت/ خياطة جلباب العالم».
التاريخ لا يقاس بعداد الزمن عند صاحب «حجر ما بعد الطوفان». ثمة وجهة أخرى تتعلق بقدرة هذا التاريخ على صنع الأمكنة برموزها وإشاراتها وملامحها. من هذه الثيمة تحديداً، تأتي قصيدة شوقي عبد الأمير: شعرنة الحمولة التاريخية للأمكنة بكل تراكماتها وشخوصها ومفاصلها وأجوائها الميثولوجية.
حين يوزع صاحب «ديوان المكان» قصيدة أخناتون التي يروي فيها سيرة الملك الفرعوني على ثلاثة أسرّة، الموت والنوم واليقظة، نلحظ نتفاً من تجارب شوقي عبد الأمير الحياتية ورؤيته إلى العالم في هذا النص. ثمة مزج ذكي بين السيرتين لا يلاحظه القارئ للوهلة الأولى، هو خلاصة الخبرة الشعرية والمهارة الفنية التي كتبت بهما القصيدة. يقول عبد الأمير عن هذه القصيدة: «أنا اخناتون. كنت حاضراً في كل سطر كتبته، لكن أقنعتي هي التي تتبدل وتتغير وفقاً للعبة الشعرية. الشعر عبارة عن لعب أستمتع بممارسته».
في الديوان الذي امتد على أربعة نصوص شعرية متفاوتة الطول، يسجّل الشاعر انطباعاته ومشاهداته وحساسيته الخاصة تجاه أمكنة تتفاعل مع دلالاتها التاريخية والأسطورية، لتصبح مادة جاهزة للاشتغال الشعري. «الوجه الخامس لمسلّة الأنا»، «مسلّة مصرية قديمة مكتوبة بأحرف عربية»، «أخناتون أو أسرّة الأبد الثلاثة»، «الصعود إلى طور سنين»، قصائد تخرج من مخيلة شعرية تختزن مشاهد من ذاكرة العالم، وتعيد صوغها كتابياً: «خشب العُلّيقة في دير كاترين يتذكر الجسد الأول وقد أعطبته الصلبان التي لا تحصى فوق صدور الأحياء. بضعٌ وبضائع من رحلتي الشتاء والصيف في رُقية كاهن يرشُ من المباخر عطراً كالليل يفلت من بين ثقوب أقدم منه ثقوب أقدم منه فوق قميصي. الحاضر فتات يسقط في النيل مئذنةٌ تسيل».
الشاعر الذي بحث عن نصوص في النثر العربي تعود إلى مرحلة ما قبل الإسلام في كتابه «مجلة لقمان»، يستخدم قصيدة النثر في كتابه الجديد، بشكل يلائم مواضيع الديوان. نجد قصيدة معرفية لا تنحاز إلى التأمل والغوص الذاتي بقدر ما تعيد إنتاج العوالم الماضية. تفعل ذلك بلغة شفيفة، تستخدم مفردات تلك العوالم، وتقرأ من خلالها مخاضات الذات عبر أدوات وتقنيات متنوعة. «لا أعترض على قصيدة النثر التي تتحدث عن اليوميات والأحداث والتفاصيل الذاتية، لكنني أميل إلى قصيدة نثر من نوع آخر تؤسس لبقاء الشعر واستمراره، حيث أرشفة الكون والعالم والوجود» يقول شوقي عبد الأمير. ويضيف في حديث الى «الأخبار»: «التنوع في الأشكال الشعرية والتقنيات ليس جديداً على تجربتي. الشاعر الفرنسي الشهير رامبو كان ينوّع في أنماط كتابته، فيما فيكتور هوغو كان صاحب نسق كتابي واحد يكرره باستمرار، لكنه بالتأكيد نسق عظيم. أميل أكثر إلى رامبو. وبهذا المعنى أنا شاعر رامبوي».
عن علاقته بالأمكنة يقول شوقي عبد الأمير: لم أختر مصر وحضارتها الفرعونية القديمة موضوعاً لكتابي. الشاعر لا يختار مواضيعه. هي التي تختاره. هذا البلد يختزن تاريخ البشرية بحقبه الحضارية المختلفة. الأمكنة عادة تطبّع الناس بطباعها. الذين يسكنون قرب الأنهار تجدهم مثلها يجرون إلى تحقيق أهدافهم بكل إصرار ضمن ضفتين محددتين. أما الذين يسكنون قرب البحار، فتجدهم مثلها أيضاً، لامبالين، أفقهم ومخيلتهم مفتوحان على فضاءات واسعة. بعد سنتين من مغادرة العراق، لم يعد مفهوم المنفى وأمكنته الباردة ذات قيمة عندي. صرت أتفاعل مع الأمكنة التي أسكنها. أحب سكانها وشوارعها ومقاهيها. صرت أشعر أنّني مواطن عالمي يؤمن بالإنسانية جمعاء».




الشعر والثورة

في إحدى مقابلاته، سئل شوقي عبد الأمير عمّا إذا كان الشعر قد واكب ثورات «الربيع العربي»، فأجاب: «كلا، ليس عندنا شعر قاد إلى الثورة. بمعنى آخر، لم يأخذ الشعراء بيد الثوار العرب، هؤلاء الثوار أزهار برية جديدة وغير مألوفة ولدت من وراء ظهورنا، من وراء ليالينا ونهاراتنا، في الوقت الذي لم يكن أحد يتوقعها أو ينتظرها.
بقي أدبنا بعيداً عن نبض الإنسان العربي لأسباب سياسية واقتصادية، وبسبب القمع والكسل والجهل. قد تنجم عن هذه الثورات العربية التي تحدث الآن أعمال أدبية وفكرية، لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت كبير، ولن يحدث غداً. الأمر يختلف في بعض الدول الأخرى. في فرنسا مثلاً، واكب الشعر التحول الاجتماعي في عصر الأنوار عبر كتابات هيّأت للانفجار».