عمان ــ قبل خمس سنوات، وقف عزيز مرقة على خشبة مسرح «جامعة أركنساس» ليغنّي شوقه إلى عمّان. كان تفاعل الجمهور واضحاً. وهو يستمع إلى الفنّان الأردني يغنّي «رجعوني على عمّان»، شعر للمرة الأولى ربّما بأنّه أمام تجربة حقيقيّة وغير مفتعلة. التقط عزيز مرقة (1983) هذا التفاعل بذكاء. وعلى مدى السنوات التي تلت حفلته تلك، اشتغل على صيغة الهويّة الأردنيّة الملتبسة، وتقديمها على أنّها خلطة تجمع أصولاً وأهواءً مختلفة. هكذا ظهر مصطلح «الراز» (روك وجاز وشرقي) ليؤكّد هذا التوجّه.

إثر عودته إلى الأردن بعد دراسة التأليف الموسيقيّ، لم يكن الفنان الشاب يدرك حينئذ أنّ بلاده نضجت تماماً لاحتواء حركة موسيقيّة جديدة، وسيكون هو أحد عناصر ترويجها وتحريكها. نشط مرقة في هذه الأجواء الجديدة: تعاون مع موسيقيّي تلك الحركة الجديدة، واشتغل مع فرقها كعازف بيانو متمرّد يجيد تقنياته، ومتمكّن من كلاسيكياته، ومضيفاً رؤيته الخاصة. ومن هذه الرؤية، تأسست فرقة مرقة، وبدأ مصطلح «الراز» بالتبلور، في مشهد موسيقي أقرب إلى محترف تجريبيّ واسع. كان الجمهور الشاب مستعداً لتقبّل التجارب الجديدة والاحتفاء بها، ما منح عزيز ورفاقه مساحة زائدة من الحريّة.
ثمرة هذا الجهد كانت أسطوانة Master Copy (النسخة الأصليّة، ٢٠٠٩) التي يمكن اعتبارها ذروة مسار مرقة، وجزءاً من تجليّات المشهد الموسيقيّ الأردني الجديد. في الوقت نفسه، يمكن اعتبارها بداية خفوت هذا الحراك، وتنازل عزيز ورفاقه عن استغلال الأجواء المشجّعة إلى النهاية. ما يميّز الأسطوانة، هو الوعي العميق لما يمكن أن يحققه الجهد الإضافيّ في التأليف الموسيقيّ... بعيداً عن مفهوم «الفيوجن» الذي جرى تسطيحه عالميّاً ومحليّاً. الألحان جاءت دسمة، غير مفتعلة وأصليّة تعتمد على الروك الخام، وارتجالات الجاز، والحسّ الشرقيّ في التوزيع، وخصوصاً من خلال دور الكمان.
ما يحسب للأسطوانة أيضاً، التطرّق إلى طقوس وممارسات محليّة مثل أغنية «ممسوس»: «اسمع هذا الولد علاجه شيخ البلد، شيخ حكيم ومتقي اقرأ عليه سورة الفلق، قول له يا شيخ سيد الشباب بيقول آمان آمان آمان، اتداويلنا هالولد، من الجن ومن كل الحسد». هكذا نجح العمل في بلوغ أكبر عدد من مستمعي الموسيقى البديلة في الأردن وخارجها، وخصوصاً في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان.
لكن يبدو أن افتتان الموسيقيين الجدد بإنجازاتهم، وخلو أعمالهم من قيمة حقيقيّة تواكب التغيّرات الجذريّة في المجتمع الأردنيّ، أديا إلى خفوت هذا الحراك الجديد، وبالتالي تركت الساحة الموسيقيّة للفراغ رغم خدعة التململ على سطحه. وما يؤخذ أيضاً على مرقة والمشهد الذي يمثّله هو الركاكة العمّانيّة المتداولة. قد يكون من مشاغل الموسيقى البديلة، أو الصادقة على الأقل، أن تنقل أفضل ما في الشارع وأسوأه... لكن ألا يفترض بالفنّان أن يترفّع عن الاحتفاء بتلك الركاكة، وإيجاد قوالب راقية تتسع للتعبير عن هموم الناس؟
الأمسية التي يقدّمها عزيز مرقة غداً في «مسرح بابل»، (بدعم من شركة «إيقاع»)، يمكن اعتبارها اختباراً مهمّاً: كيف يتفاعل الجمهور اللبنانيّ مع الفنان الشاب الذي يمثّل المشهد الأردني البديل؟ ولعلّها حقل اختبار لعدد من أغنيات الأسطوانة الجديدة التي يسعى إلى إصدارها قريباً. بعيداً من عمّان، يمكن أن نلمس على نحو أفضل ربّما، ما وصلت إليه تجربة هي إحدى الفرص الأخيرة لإنقاذ المشهد الأردني من الفتور. (نماذج من أعماله على موقع «الأخبار»).

* أمسيات رمضان/ عزيز مرقة وفرقة RAZZ: ٩:٣٠ ليلة غد الجمعة ـــ «مسرح بابل» (بيروت). للاستعلام: 01/744033
* 10:00 ليل السبت 20 الحالي ــ «وليمة وردة» (الحمرا) ــ 01/343128




ما بقول آسف

في حفلتيه البيروتيتين المرتقبتين غداً في «بابل»، وبعد غد في «وليمة وردة»، سيقدّم عزيز مرقة أغنيات من ألبومه Master Copy وعملين من ألبومه الجديد الذي سيبدأ تسجيله الشهر المقبل على أن يطرح في الأسواق في بداية 2012. في حديث لـ «الأخبار»، يحكي الفنان الشاب عن ألبومه الجديد الذي يضم كتّاباً ومؤلفين موسيقيّين معروفين بأغنيات تسير ضمن النمط الموسيقي الذي اشتهر به. وسيقدّم في الأمسية أغنيته الجديدة «ما بقول آسف» التي تحكي عن سوء التفاهم بين الحبيبين، إضافةً إلى أغنية «عيش ببساطة» التي تتناول معنى السعادة. وسيشارك في الأمسية أيضاً الفنان الأردني الشاب زيد حمارنة، الذي يقدّم باقة من الفولكلور الشامي التي أعيد توزيعها ضمن رؤيا مرقة الموسيقية.