بين مرأى حي كرادة مريم اليوم، وصورته القديمة المحفورة في الذاكرة، ما هو أبعد من المسافة التي قطعها الشاعر جليل حيدر من مدينة مالمو السويدية إلى بغداد. في زيارته القصيرة إلى بلده الأمّ بعد غياب طويل، وجد الشاعر العراقي أن حيّه تغيّر بالكامل، ليصير أشبه بـ «ثكنة عسكريّة». نشأ حيدر في كنف عائلة يساريّة. كان والده صديقاً للشاعرين محمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم، ولاثنين من أبرز قادة الحركة الوطنيّة العراقيّة في العهد الملكيّ: جعفر أبو التمن ورفعت الجادرجي. يتذكّر من أيام متوسطة المنصور على نهر دجلة، قوارب الصيادين والسباحة صيفاً، كما يستعيد بوصف دقيق بيت لويزا، الشابة المسيحيّة الجميلة. «كانت دكّة بيتها مسرحاً لعروضنا الغنائيّة عند الغروب من كلّ يوم». يسترسل في حديثه عن سنوات الصبا، حين كان يفرح وصحبه بجيرة الشاعر مظفر النواب لهم، إذ كان يقيم في الحي نفسه. كانوا يردّدون قصائده، ويمنّون النفس بلقائه، لكنّ ذلك اللقاء لم يحصل، إذ إن الإقامة الفعليّة للنَّوّاب حينذاك كانت السجن.


تتوهج ذاكرته لدى الحديث عن بغداد الخمسينيات: «حديقة الأمة وتمثال خالد الرحال، ونصب الحريّة لجواد سليم... سينما «الخيام» و«غرناطة»، وسينما «روكسي» والمراهقات بمناديلهن الحريريّة».
تكوّنت شخصيّة جليل في كنف عائلة مُحبّة للأدب والمعرفة، تمتلك مكتبة واسعة. نشأ في حي صادق الغني في تنوّعه الإتني والديني. أقرانه يومذاك كانوا من كلّ الآفاق: المسلم والمسيحيّ والصابئيّ والكرديّ والعربي. عرف الشعر مع تجربة الحبّ الأول، وكتب «قصائد مراهقة». انتهى حبّه لابنة الجيران بسرعة بعدما غادرت سكنها، لكنّ حبّه للشعر لم يبارحه. تأثّر في بداية وعيه الشعريّ بمبدعين: «أنسي الحاج بنثره الجارح، وأدونيس بغلوّه النيتشويّ». وهو ما زال يرى اليوم أنّهما «أهمّ شاعرين في اللغة العربيّة».
إطلالته الشعرية الأولى، كانت حين زار أدونيس العراق عام 1968 وهو يبحث عن شعراء شباب يحملون طاقات تجديديّة في الكتابة. هكذا قيّضَ لجليل حيدر أن يلتقي مهيار الدمشقي بدعوة من الشاعر عبدالقادر الجنابي، كان ذلك في فندق «جلجامش». أتى إليه حاملاً دفتراً مدرسياً، مكتوباً عليه بقلم الرصاص. «حالما قرأ بعض القصائد قال لي بحماسة: سأحذف بعض المواد من المجلّة، لتصدر قصائدك في العدد المقبل من «مواقف»». وهكذا كان...
الشاعر الشاب الذي يريد تقديم نفسه إلى الوسط الأدبيّ، في حاجة إلى حاضنة ثقافيّة أرحب. وفي حالة جليل حيدر، كانت تلك الحاضنة مقهى «إبراهيم» الذي تغيّر اسمه إلى «المعقدين». وهذه تسمية أطلقها عليه رواده من شيوعيّين وبعثيّين «ثقافتهم أمميّة تهلل للحركة الطلابيّة في فرنسا 1968 وهالة غيفارا، وكتب جورج لوكاش، وتروتسكي وماركوزا». تكوّنت تلك المجموعة من بعض الأسماء الأدبيّة المعروفة مثل زهير الجزائري، ومؤيّد الراوي، وعبد الرحمن طهمازي، وعبد القادر الجنابي، وصادق الصائغ، وحسين عجة، ورياض قاسم، ومحمد مكي، ومنعم حسن، وكان جليل حيدر من بينهم. كان يلتقيهم ظهر كلّ يوم في هذا المقهى، ثمّ ينصرفون معاً في المساء إلى حانات «كاردينيا» و«سرجون» في شارع أبي نؤاس. نقاشاتهم الصاخبة، وتمرّداتهم السلوكيّة لفتت أنظار السلطة أواخر الستينيات، ما أدى إلى اعتقاله مع بعض أصدقائه. وأثناء التحقيق معهم، سألهم الضابط: «ما الذي تعنيه كلمة «سوريانيين»؟ (والمقصود سرياليّين طبعاً). ورغم محاولاتهم اليائسة أن يشرحوا للمحقّق أسس تلك المدرسة الأدبيّة، بقي الضابط مصرّاً على أنّها «حركة سياسيّة!».
في السبعينيات أُسقطت الجنسيّة عن والده، بسبب صدور حكم مؤبد على اثنين من إخوته بـ«تهمة» الشيوعية، واتهامه بتهريب أكبرهما عزيز من السجن حينذاك. كان للأمر تداعيات كثيرة على حياة جليل. فقد رفضت جامعات عدة قبوله على مقاعدها، لتعذّر امتلاكه «شهادة الجنسيّة العراقيّة». يستعيد أيّام عمله في القسم الثقافيّ لمجلّة «ألف باء»، وكيف اشتدت معها «الهجمة البعثيّة» على اليساريّين والشيوعيّين. نتيجةً لتك الظروف، اتخذ قراره بمغادرة العراق. توجّه صاحب «قصائد الضدّ» إلى بيروت، فعمل في الصحافة. أصدر كتابيه «شخص بين الشرفة والطريق» (1980)، و«حبر لليل... رجل للمكان» (1982) في بيروت، التي أتاها ثانية بعد فترة إقامة أولى امتدت بين 1969 و1973، إثر زواجه بالروائيّة هاديا سعيد حيدر. لاحقاً، مثّل انتقاله للإقامة في السويد عام 1989، محطّة أخرى. انفتح على لغة وثقافة جديدتين، وأعجب بشعر غونار إيكيلوف، وكارين بويه، وتوماس ترانسترومر.
في تجربته الشعريّة، لم تستهوه العناوين الكبرى والأحداث السياسيّة، بل كان يهتمّ بـ «النظر إلى الداخل»، لكونه «يعيد إنتاج الخيال والصورة الشعريّة التي كانت مُفتقَدة في الجيل السابق (الخمسينيات)». في رأيه ليس هناك «تعبير دقيق عن مفهوم الحداثة، على الأقل عند كتّابنا ونقّادنا العرب. هناك آراء مبتسرة في النقد، لأنّنا لا نملك نقاداً كباراً، بل تجارب نقديّة قليلة في رؤى أشخاص مثل خالدة سعيد، ويمنى العيد، وعباس بيضون».
يتوقّف للحظة عن الكلام وهو ينظر إلى التلفزيون في المقهى البغداديّ حيث التقينا. على الشاشة، مشاهد عن تجدّد الاحتجاجات في الشارع المصريّ: «أنا مع الصوت العالي للحريّة والتمرّد في وسط يعجّ بالاستبداد والتسلط الدينيّ والقهر». يعلّق الشاعر آمالاً كبيرة على الحركات الشبابيّة التي تقود الربيع العربي. يرى أنّ هذا الحراك غير المسبوق، هو «نتاج ما أتاحه الفضاء الافتراضيّ من تواصل، إضافةً إلى صدمة الحداثة التي ولّدتها هجرات الشباب العربيّ». يسخر من الخطاب الرائج في صفوف السلطة العربيّة والمنتفعين منها، بأنّ وراء الثورات العربية «أياديَ أجنبيّة». فـ«هذه مجرّد أكذوبة تخترعها الأنظمة والعقليات المتخلفة التي تستهويها نظريّة المؤامرة... الحكومات الغربيّة ستحاول أن تلتفّ على الثورات حكماً، في خدمة مصالحها، لكن الشعوب العربيّة تطالب بحقّها في الخبز والحريّة والكرامة».
أثناء التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها بغداد أخيراً، رفع أحدهم لافتة كتب عليها مقطع من قصيدة له: «دع بغداد تكن بغداد لنا يوماً»... وإذا ببريده الإلكتروني يتعرّض للقرصنة بعد انتهاء التظاهرة مباشرةً. يعوّل حيدر على هذه الحركة الاحتجاجيّة التي «هي في الأساس حركة مدنيّة، طالبت بتحرير بغداد من التسلط العسكريّ والدينيّ، وأجبرت السلطة على تغيير سلوكياتها»، لكنّه لم يكن يتوقع أن يذهب النظام الحالي بعيداً في اعتقال المتظاهرين وتهديدهم. يعلّق بسخريّة مُرّة: «من جهة، يدعي هؤلاء الديموقراطيّة، ومن جهة أخرى، يعتقلون كلّ من يطالب بالحريّة والحياة المدنيّة». يرى جلال حيدر بغداد اليوم «مدينة عمياء بلا ضوء، تقيّدها الحواجز الإسمنتية». قال الشاعر الكلام نفسه قبل أيّام، على مرسى دجلة، أمام حشد تحلّق ليحتفي به، بدعوة من «بيت الشعر العراقي» في أصبوحة عقدت تحت عنوان: «قصائد الضدّ».




5 تواريخ


1945
الولادة في بغداد

1969
نشر قصائده الأولى
في مجلّة «مواقف» اللبنانيّة
بتشجيع من أدونيس

1974
صدور مجموعته الشعريّة الأولى
«قصائد الضدّ» عن وزارة الإعلام
في بغداد آنذاك

1999
صدور كتابه المشترك مع هنري دياب «بورتريه للملائكة: الشعر السويديّ الحديث»، أنطولوجيا مترجمة عن السويديّة (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر)

2011
استضافه «بيت الشعر العراقي»
في بغداد أخيراً، ضمن لقاء احتفائي
تحت عنوان «قصائد الضدّ»