بنضج يتجاوز عثرات البواكير، تكتب الشاعرة الفلسطينية ريم غنايم (1982) باكورتها «ماغ: سيرة المنافي» (دار الجمل). يبتدّى هذا النضج في معجمها الواسع، وجزالة جملتها، وتجاهلها لعوالم الأنثى الضيقة باتجاه قصيدة مفتوحة على طموحات واسعة. المشكلة أن ما نمدحه هنا قابل للانتقاد والذم أيضاً، إذْ إن ثراء المعجم محكومٌ بوعورة تضع حجاباً على المعاني المستهدفة، بينما تتحول الجزالة إلى إفراط في الفصاحة يُدخل أغلب القصائد في غيبوبة لغوية. هناك مهارات أسلوبية واضحة لشاعرة قادمة من دراسة أكاديمية واعدة في الأدبين العربي والإنكليزي، لكن القصائد تتلقى ما هو زائد عن حاجتها من هذه المهارات التي (قد) تكتسب طابعاً استعراضياً إذا ظلت تهيمُ حول المعنى أو تمنعه من الوصول بسلاسة إلى القارئ. أحياناً تقترب اللغة من اللغو: «لماذا كلما داهمني الخيرُ/ تهتاج في أحشائي/ سيرة النهار/ ولماذا كلما اجتاحني/ خفقُ النعال سدىً/ أصير غماماً ضريراً محشواً بالغيرة». ربما يكون المذاق السريالي عذراً مقبولاً للمقطع السابق، لكن السيل اللغوي لا يتوقف عن جرف الموضوعات إلى ساحة الغموض والوعورة والتفاصح. يمكننا جمع مفردات نادرة الاستعمال مثل: «خثارة، مكدود، تتوسَّن، ظليم، عنكباء، يقزل، نثولات، ملتاثة، يتوالسون، التيهاء، الجوزل...». الندرة تزيد من فصاحة الجملة، بينما فصاحة مماثلة تسري في عناوين القصائد: «اشتقاقاتهنّ حنينٌ للعصف، خيبةٌ تضبط جغرافيا التيه، ظباءٌ مدرّبة على النّزق...». في زحام هذه البلاغة، تنجح بعض المقاطع في الإفلات من دوامة الإسراف اللغوي، كما هي حال قصيدة «مذبحة»: «هوجمت الوداعة عصراً/ توسلاتٌ لا طائل منها/ تجاويف نشيج لم يسعفها ساعة السلب/ يتعقبون أثرها وسكناتها/ يدينون لها/ تأجيل كل ألم فيهم/ مجرّدون من كلّ هزل هذه المرة/ أقحاحٌ في عزمهم/ يواقعونها/ ويعتذرون لكل خجل».

لا تشكو الشاعرة من ضحالة وخفة أغلب التجارب الشبابية، لكنها تحتاج إلى تعريض لغتها القوية لبعض الكسور الصغيرة. كسورٌ يمكن أن تُشيع بعض الأسى والشجن و«الركاكة الحميدة» في القصائد، وتقنع القارئ بتقنيات الخفوت لا باستخدام مهارات معجمية تسعى دوماً إلى إظهار الصلابة والجزالة على حساب المعنى. نقرأ قصيدة خافتة ومدهشة مثل: «لو أني خمولُ آلات نفخ طائشة/ صلاةُ نبْتٍ في ماء/ عرق الوحل الهش بعد معركة/ انصهارٌ خفيف المعدن/ رسولةٌ بطعنة فاسدة/ لو أني وصيةٌ على حصى»، إلى جانب سطور ومقاطع لا يهتدي القارئ إلى معناها: «تباً لوجهك الغائر في صفقات خاسرة مثل أرانب ثاكلة تتحامق على كبرِكْ»، أو: «في فجور الموت أحياناً أقدارُ جرادٍ ونبيٌ كاذب».
يمكن اختزال هذه الملاحظات بأن الشاعرة لا تعرف كيف تخفف من حماستها. «البراعة المفرطة» تُعمي القارئ، كما أن تكثير الشعر في الشعر ليس ممارسةً حميدة دوماً.
أخيراً، لا يَخفى أثر سليم بركات الواضح على المجموعة. لا نعرف مدى نفوذ المعجم البركاتي الهادر على مخيلة الشاعرة، لكن صاحب «الجمهرات» لا يُفلت خيط المعنى رغم شراسته المعجمية، بينما يبدو ذلك صعباً على شاعرة تكتفي من لغتها الثرية بمذاقها الخطابي. فلننتظر مجموعتها الثانية.