جزم، صنادل، أحذية نسائية، نعال من كلّ الأشكال والمقاسات، مبعثرة بين الرمال... المشهد مألوف على الشواطئ اللبنانيّة. لكن صوفي جابر حوّلته مادة فنيّة خاصة ومفاجئة. لنقل إنّها وجدت في الأمر أحجية، وباباً لاكتشاف مجتمع بأكمله. «ألا يؤمن علم النفس بأنّ أحذيتنا مرايا لشخصياتنا؟»، تسأل الفنّانة الفوتوغرافيّة الفرنسية اللبنانيّة. خلال السنوات الثلاث الماضية، تحوّل البحث عن النعال بين الرمال إلى شغلها الشاغل، «نوع من الإدمان» تقول. لعلّها فيتشية، تبحث عبر الأحذية الشاردة عن الرغبات الضائعة لأصحابها. تصنع من هذه البقايا الهاربة من مكبّ النفايات، جسراً إلى مكنونات اللاوعي الجماعي. استعانت صوفي بتقنية التصوير الماكرو التي تستخدم عادةً لتصوير الحشرات والأجسام الصغيرة لأغراض علميّة. هكذا على مرّ الأيّام، راكمت صوراً لآلاف الأحذية التي عثرت عليها على الرملة البيضاء، أو على شواطئ الدامور


، وصيدا...«نعل بعد آخر» هو معرضها الأول الذي تستضيفه «دار المصوّر» في بيروت. الدار التي أسسها المصوّر رمزي حيدر، أصبحت مقصداً لهواة التصوير ومحترفيه في العاصمة اللبنانيّة. إلى جانب ورشات التدريب المتواصلة، افتتحت الدار فضاءً يجمع بين المقهى وصالة العرض. هكذا يمكن أن تتجوّل بين أحذية صوفي، وفنجان القهوة أو كأس البيرة في يدك، بحثاً عن تلك الدعسات التي ضاعت في الرمال...
المصوّرة الآتية من خلفيّة الرسم، استهواها فنّ البورتريه، قبل أن تجد في الصورة وسيلتها الأثيرة للتعبير. لذا تعاطت مع كل حذاء صوّرته، بوصفه مادة لبورتريه. نزعت عنه صفة المهملات، وجعلته «بطلها» و«موضوعها»، في مقاربة احترافيّة متقنة التقطت بكاميرات «لايكا دي لوكس 4»، و«كانون باور شوت برو 1»... فكرت في ولادة جديدة لتلك النعال، فمنحتها شخصيّة، و«كاراكتيراً»، وأسماءً شعريّة. هذه «دولسينيا»، وتلك «ديموازيل»، وذلك «شجاع». تتبعت الفنانة مادتها بين مكبات النفايات والشواطئ الملوّثة بالقمامة، في أداء فنّي يذكرنا بشيء من مدرسة جوزف بويز. أمّا الصور، فهي بورتريهات لأحذية «انتعلتها امرأة، أو عامل، أو بائع ذرة»، كما تتصوّر صوفي. «وراء كلّ حذاء، قصّة. كنت أحاول البحث عنها أثناء التقاط الصورة». قصّة انعكست في زاوية العدسة: هذا حذاء حزين، وذلك متعب، وذلك يمارس لعبة إغراء... قصص تقول إنّه حين يرمي وطن بأكمله أحذيته على الشاطئ، فهذه ليست مسألة عادية على الإطلاق.




«نعل بعد آخر»: حتى 28 آب (أغسطس) الحالي ـــ «دار المصوّر» (الحمرا). للاستعلام: 71/236627