تونس | لا شكّ في أن التضييق على حرية الرأي كان من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى قيام الثورة التونسية. ولا شكّ أيضاً أن حرية الصحافة شهدت ازدهاراً نسبياً بعد إطاحة زين العابدين بن علي. لكن يبدو أن شبح الرقابة عاد ليخيّم على المشهد التونسي بعدما أكد القضاء قراراً صدر في وقت سابق، يقضي بحجب المواقع الإباحية. وخرجت إلى العلن اعتراضات على هذا القرار، خوفاً من أن يكون مقدمة لمزيد من القرارات المشابهة التي تطال الشبكة العنكبوتية، وخصوصاً أن «الوكالة التونسية للإنترنت» سبق أن أغلقت أربع صفحات على فايسبوك بناءً على طلب الجيش.


لكن هذه المرة، عبّرت الوكالة عن معارضتها لقرار الحجب هذا. ورأى مديرها معز شقرون أن الأمر يستدعي «تحليلاً عميقاً لأن الإنترنت ليس كوسائل الإعلام الأخرى، إذ يحتوي على أبعاد اقتصادية، خصوصاً بعد الثورة». مشيراً إلى أنه «من الناحية الفنية، يستحيل تطبيق عملية الحجب لأن ذلك سينعكس سلباً على جودة خدمات الإنترنت». غير أن الوكالة عادت لتعلن أخيراً التزامها بالقرار القضائي، مؤكدة أنها ستعمل «على تنفيذ خطة عمل لاستعمال أجهزة الحجب المتوافرة لديها بصفة تدريجية».
وتفاوتت ردود الفعل على هذا القرار في الشارع التونسي. ويقول الصحافي منجي الخضراوي إنّه ضدّ زج القضاء في المسائل الأخلاقية. وتساءل عن تعريف «مفهوم الإباحية، فهل تعتبر المواقع التي تعالج سرطان الثدي أو الأمراض المنقولة جنسياً إباحية؟». وتابع «اليوم تقدّم محامون بقضية لإقفال المواقع الإباحية، وغداً يمكن أن يرفعوا قضية ضدّ مسلم متزوج من غير مسلمة... بالتالي فإن هذا القرار يفتح الباب أمام التسلط والدكتاتورية». أما الاختصاصي التونسي في مجال الإعلام رضا النجار، فيعبّر عن تأييده لوضع قانون ينظم الإنترنت. واعتبر أن «كل مواطن له الحق في رفع قضية تتعلقّ بالأخلاق، فالحرية ليست مطلقة في المجتمع».
لكن قبل التعبير عن دعم أو رفض القرار، يرى كثيرون أنه لا بدّ من تحديد مفهوم «الأخلاق». ويشير الممثل التونسي محمد علي القلعي إلى أن «الشبكة العنكبوتية مبنية على الحرية والانفتاح والتبادل، فكيف تزدهر حرية الاختيار عند الفرد إذا أُغلقت أمامه جميع أبواب الاختيار؟». ويضيف: «اليوم صدر قرار يحدّ من حريتي في مشاهدة أفلام أو مشاهد إباحية، غداً قد يصدر قرار آخر يمنعني من دخول المسجد والصلاة».
بدوره، وصف الصحافي وليد النفاتي، قرار الحجب بـ«الخاطئ، لأن القضاء لا يجب أن يوكل هيئة إدارية بإغلاق المواقع، لأن دور المحكمة الإغلاق وليس «الوكالة الوطنية للإنترنت». كما أن التحكم بعملية الحجب تقنياً لا يتم في تونس، بل في الولايات المتحدة، وبالتالي، فإن الوكالة لا يمكن أن تضمن إقفال كل المواقع الإباحية».
أما المحامي المختص في التكنولوجيا الحديثة كمال رزقي، فشدّد على أن «الحجب كمبدأ عام خطير بالنسبة إلى المجتمع التونسي بعد ثورة الحرية والكرامة، وهو خطير على الثورة التي قامت بعد قمع عدد من المدونين والإعلاميين... لذلك يجب توضيح مفهوم الإباحية، وإيجاد تشريع خاص في هذا الموضوع بدل النظرة الأحادية».