صحياً، لم يستطع الشريف الذهاب إلى بلد المليون شهيد لتسلم الجائزة. لكنّه أصلاً لم يكن بحاجة إلى المزيد من الجوائز. جائزة الفنان الحقيقية هي تلك التي يحصل عليها تباعاً من الجمهور عقب كل فيلم. هذا هو الإنجاز الحقيقي لمحمد جابر محمد عبدالله الذي أصبح نور الشريف بعد احتراف التمثيل. ابن حي السيدة زينب العتيق في قلب القاهرة بحث عن الأضواء أولاً عبر «نادي الزمالك»، وكاد أن ينضمّ إلى نجومه رسمياً كلاعب كرة بارع. لكنه انحاز بسرعة إلى موهبته الأهم: التمثيل وعشق الفن بشكل عام. دخل المجال بدعم من عادل إمام الذي قدّمه للمخرج حسن الإمام ليشارك في بطولة فيلم «قصر الشوق» عام 1966، ثم اختاره المخرج محمد فاضل ليكون أحد أبطال مسلسل «القاهرة والناس» الذائع الصيت في ذلك الوقت.

شكّل منافساً شرساً
ليحيى الفخراني في الدراما التلفزيونية

كل ذلك تزامناً مع دراسته في «المعهد العالي للفنون المسرحية» الذي تخرج فيه عام 1967 وكان الأول على دفعته وعمل في سلك التدريس لفترة. وفي بداية السبعينيات، تعرّف إلى رفيقة مشواره بوسي وارتبطا عام 1972، ثم بدأ مشواره مع السينما في أدوار غير رئيسية. عرف الطريق إلى الأفيشات بسهولة. وبعد فترة من عدم الانضباط بسبب النجومية السريعة، استعاد الشريف في الأعوام الأخيرة في السبعينيات اتزانه وبدأ مشواره الحقيقي مع الاحتراف الذي ظل ملتزماً خلاله بالمبادئ والقيم التي تربى عليها حتى وفاته. قدم الشريف في تلك المرحلة مجموعة من الأفلام المهمة، أبرزها مع المخرج علي بدرخان كـ«الكرنك» (1975)، و«أهل القمة» (1981). الأول كان ضد مافيا التعذيب في عهد جمال عبد الناصر، والثاني كان يحذر من خطورة سياسات الانفتاح في عهد السادات. في تلك المرحلة أيضاً، قدّم الكثير من القصص المنوعة سينمائياً على مستوى الكوميديا مع عادل إمام وسمير غانم مثل «البعض يذهب للمأذون مرتين» (1978)، وفيلم جريء بمقاييس ذلك الوقت هو «قطة على نار» (1977) مع بوسي عن المثلية الجنسية. ويمنح المخرج سمير سيف ضربة البداية في فيلمه الأول «دائرة الانتقام» (1976) ويكررها مع محمد خان حيث كان الشريط الأول لخان هو «ضربة شمس» (1980) من بطولة نور الشريف. وشهدت الثمانينيات أهم ثنائي سينمائي جمع نور الشريف مع المخرج الراحل عاطف الطيب. حتى وفاة الأخير، قدّما سلسلة من الأفلام التي دخلت تاريخ السينما المصرية من أوسع الأبواب، أهمها «سواق الأوتوبيس» (1982) الذي وثق انهيار الطبقة الوسطى في مصر، وفيلم «كتيبة الإعدام» (1989) حيث شخصيته الشهيرة حسن عز الرجال، إلى جانب فيلم «ناجي العلي» (1992) الذي سبّب له صداعاً سياسياً كبيراً. كما برع الشريف في العديد من الأفلام خلال هذه المرحلة؛ منها «آخر الرجال المحترمين» (1984 ــ تأليف وحيد حامد وإخراج سمير سيف) حيث شخصية المدرس المثالي جداً فرجاني الذي أجبر الدولة على البحث معه عن طفلة تائهة. ومع المخرج علي عبد الخالق والمؤلف محمود أبو زيد، قدم الفيلمين الشهيرين «العار» (1982) و«جري الوحوش» (1987) وكلاهما بمشاركة حسين فهمي ومحمود عبد العزيز، في إشارة إلى تقليد لا يؤمن به إلا الكبار وهو وجود أكثر من نجم في عمل واحد. وكانت للشريف علاقة تعاون خاصة مع يوسف شاهين عبر أفلام عدة؛ منها «حدوتة مصرية» (1982) و»المصير» (1997).
ومع نهاية التسعينيات، عاد الشريف للاهتمام بالدراما التلفزيونية وقدم العديد من المسلسلات البارزة. وكان منافساً قوياً للنجم الأول للشاشة الصغيرة يحيى الفخراني. على المستوى الاجتماعي، قدم مسلسلات مثل «لن أعيش في جلباب أبي» مع عبلة كامل، و«عائلة الحاج متولي» مع مصطفى شعبان، وكلاهما يحظى بإعادة عرض متتالية على كل الفضائيات المصرية تقريباً، رغم مرور 15 عاماً على إنتاج الثاني و20 عاماً على إنتاج الأول. كذلك برع في المسلسلات التاريخية مثل «هارون الرشيد» و«عمر بن العزيز» و«رجل الأقدار» وكان يتمنى تجسيد شخصية الحسين لو وافق الأزهر على ذلك. ويعدّ مسلسل «الرحايا» وثلاثية «الدالي» من أبرز أعماله التلفزيونية في السنوات العشر الأخيرة. كما عاد إلى السينما بقوة ومن دون شرط البطولة المطلقة فى أفلام «ليلة البيبي دول» مع محمود عبد العزيز وجمال سليمان، و«مسجون ترانزيت» مع أحمد عز، وأخيراً «بتوقيت القاهرة».