القاهرة | المواطن المصري «الزملكاوي» محمد جابر محمد عبدالله، الشهير بنور الشريف هو إحدى أهم علامات الفن في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي. لمع نجمه خلال الثمانينيات والتسعينيات ليصبح أحد رموز السينما والتلفزيون المصري في تلك الحقبة حتى وفاته أمس.


حظي بمشاركته الأولى على شاشة السينما في «قصر الشوق» (1966 ــ الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ)، حيث قدّم دور «كمال» الابن الأصغر لبطل الرواية السيّد أحمد عبد الجوّاد. حصل الوجه الفنّي الجديد نور الشريف على شهادة تقدير كأفضل ممثل شاب عن دوره الأول على شاشة السينما لهذا الدور.
خلال مشواره الفنّي، كان الشريف رجلاً محبّاً للتجربة ومغامراً بدرجة كبيرة في تقديم أعمال جديدة لمخرجين جدد أو تجارب فنّية قد تقلّب عليه رأي هذا وذاك. عام 1992، أدى بطولة فيلم عن سيرة المناضل والفنان الفلسطيني ناجي العلي، مقدّماً من خلال أحداث الفيلم موقفاً معادياً لاتفاقيّة «كامب دايفد»، ما أثار حفيظة الكثير من زملائه وأغرقه في انتقادات ظلّت تلاحقه حتى وفاته.
وبينما كان شاباً في بدايات مشواره الفنّي، أنتج فيلم «ضربة شمس» من إخراج القدير محمد خان. كانت مغامرة كبرى أن يدخل كمنتج لفيلم من هذا النوع الذي ينجح على المستوى النقدي والفنّي، لكنّه لا يجد نجاحاً تجارياً وخاصة في فترة أفلام المقاولات.
اختاره المخرج الراحل يوسف شاهين لبطولة «حدوتة مصرية» عام 1982. هنا، قدّم شخصيّة «يحيى شكري مراد» التي كانت تجسيداً للسيرة الذاتية ليوسف شاهين. خلال هذا الفيلم، تجلّت ميوله القوميّة العربيّة التي لم يكن ليخفيها من خلال أحاديثه وأعماله المختلفة.


«كتيبة الإعدام» روى
فترة المقاومة الشعبية
للاحتلال الصهيوني

واستمراراً لرحلة الحظ السعيد والفن المتميّز، اختاره شاهين مرّة جديدة لتقديم دور الفيلسوف العربي الأندلسي ابن رُشد خلال أحداث فيلم «المصير»، تلك الشخصية التي حارب من خلالها الفكر المتطرف وحارب أيضاً الفصل و«العداوة» بين الفن والدين. تلك الظاهرة الشائعة في المجتمع الشرقي فنّدها الفيلم الذي نال العديد من الجوائز ورشِّح لسعفة «مهرجان كان السينمائي».
من أشهر أدوار الشريف خلال مشواره الفنّي، دوره في فيلم «كتيبة الإعدام» (1989) الذي كان يروي فترة المقاومة الشعبية للاحتلال الصهيوني في منطقة قناة السويس، وأخرجه الراحل عاطف الطيّب وأدى بطولته نور الشريف والراحلة معالي زايد. من أفضل مشاهده التمثيلية، بل من أقوى المشاهد في تاريخ السينما المصرية، كان مشهده في فيلم «المصير» حين كان الشريف يواجه الشاب المتطرف (هاني سلامة) الذي ترك الرقص والغناء والفن لينضم إلى جماعات متشددة تكفّر المجتمع بأكمله. في هذا المشهد، أخبر الشاب المتطرف الفيلسوف ابن رشد بأنه يريد أن ينقل علوم الله إلى الناس، ليجيبه الفيلسوف بأنّ الفلسفة ليست علوم الجن. سأله عما يعرف في علوم الكيمياء والطبيعة والفلسفة والرياضيات والفلك واللغات والحب والموت والشِعر، وأخبره بأن هذه علوم الله، الله الذي خلق الجمال ولا يرضى بالقُبح. وقد قدّم الشريف هذا المشهد باقتدار بالغ حتى كانت ترتج قاعات السينما بالتصفيق في نهاية هذا المشهد بانهيار الشاب أمام ذلك التوبيخ.
رحل الشريف ليترك لأجيال حالية وقادمة رصيداً بحوالى 243 عملاً فنياً يتعلم منها هواة الفن ويستمتع بها المشاهدون، ليمكث له ما قدّمه للناس حتى بعد رحيل جسده الذي أنهكه المرض.