غزة | مع استمرار الهجمات الإسرائيلية الجويّة على مناطق متفرقة في قطاع غزة، رداً على عمليّة إيلات، طالت صواريخ الاحتلال مباشرة «دار الكتب الوطنية» الواقعة بين عدد من المباني الحكومية المدنية، والمنازل المأهولة بالسكان، وسط قطاع غزّة المحاصر. ألحق الهجوم دماراً واسعاً بكل ما حول الدار من وزارات ومبانٍ، وقضى على محتويات الدار وبنائها.

استنكرت وزارة الثقافة في الحكومة المقالة استهداف مبنى دار الكتب المكوّن من خمس طبقات. وفي بيان رسمي، لفتت الوزارة إلى أنّ ثلاثة صواريخ جوية دمّرت جزءاً كبيراً من البناء، على نحو يصعب ترميمه، ويتحتمّ إزالته وإعادة بنائه من جديد. ورأت الوزارة أنّ في «هذا الفعل دليلاً واضحاً على بربرية احتلال يحارب الحلم ولا يراعي أيّ قيم حضارية أو ثقافية، ودليلاً آخر على عقلية ظلامية عنصرية حاقدة لا علاقة لها بالقيم الحضارية والإنسانية».
في قطاع غزّة المحاصر، كان مبنى «دار الكتب» معدّاً لطباعة الكتب وتوثيق المراجع الفلسطينية. وضمّ أيضاً مكتبات ومسرحاً واستوديوات خاصة بالتسجيلات الصوتية. وكانت وزارة الثقافة في الحكومة المقالة تعمل على استكمال بناء الدار، لكنّ العمل على ذلك توقّف منذ خمس سنوات بسبب الحصار. وكانت «دار الكتب» تمثل نواةً للعمل الثقافي في القطاع المحاصر.
من جانبه، لم يستغرب وكيل وزارة الثقافة مصطفى الصوّاف، بعد استهداف دور العبادة والمقابر والأطفال، «أن يُستهدف أيّ مكان، سواء دار كتب أو أي مركز ثقافي آخر». «هذه حرب ثقافية من الدرجة الأولى بين إسرائيل والفلسطينيين»، بحسب رأي الأكاديمي في كلية الآداب أسعد أبو شرخ، «حرب بدأت منذ الثلاثينيات مع تأليف لجنتين، أولاهما لجنة خاصة بترحيل الفلسطينيين، وأخرى خاصة باستبدال أسماء الشوارع والمدن الفلسطينية بأسماء عبرية بغية طمس الملامح الثقافية والتاريخية لتلك القرى». ونظراً إلى أهمية اللجنة الأخيرة، فقد ترأسها في ذلك الحين بن غوريون بنفسه، «ودّعمت تلك اللجنة خططها بإحياء اللغة العبرية واعتمادها دون العربية، وسرقت التراث الفلسطيني ونسبته إليها».
ويؤكد أبو شرخ استمرارية فاعلية تلك اللجان في عملها حتى الآن. لهذا، فإنّ أي موقع ثقافي له صلة بتوثيق التاريخ الفلسطيني ودعم الوعي بالقضية الفلسطينية، يقع ضمن تلك الدائرة الحمراء الجديرة بالاستهداف من قبل قوّات الاحتلال. ويرى، مثل زملاء وأقران كثيرين، أن استهداف مبنى «دار الكتب الوطنيّة» ليس مجرّد مصادفة. إنّه إمعان في طمس الهويّة الفلسطينية الثقافيّة، ومحوها، وتجريد قطاع غزّة من أبسط مقوّمات الحياة.