تتجوّل سعاد جروس في دمشق وفقاً لخريطة رسمتها في ذهنها. أن تتوقف عند التضاريس التي تكوّن جوهر «أقدم مدينة مأهولة في العالم»، بعيداً عن النظرة الأسطورية التي أحاطتها بالقداسة والألغاز. في «زقاقيات دمشقية» (دار الكوكب/ الريس)، تميط اللثام عن هذه الفسيفساء البشرية، وتقشّر الطلاء عن الجدران التي تخبئ وراءها أسرار العيش. تدخل من الأزقة الضيقة إلى فضاء المدينة، كي تتعرّف إلى المشهد كاملاً. تشير الصحافية السورية إلى أنّ عناوين هذا الكتاب حصيلة تحقيقات، أجرتها خلال الفترة الممتدة بين عامي 1996 و2009. تتوقف عند محطات أساسية تضيء ملامح عاصمة الأمويين، بدءاً من أسمائها المتعددة، مروراً بأمكنة صنعت هويتها التاريخية، وصولاً إلى المطبخ الشامي، والمهن التقليدية المتوارثة، والأسواق المشهورة.

النبرة الصحافية حاضرة في كتاب جروس لجهة الإثارة، ونبش المعلومات التاريخية، والإحصاءات. تبدأ رحلتها من مقام الشيخ محيي الدين بن عربي، على سفح جبل قاسيون. في زيارتها لحي اليهود، تدخل متاهة أزقة، كان يقطنها يهود دمشق، وبعض اللاجئين الفلسطينيين، قبل أن يهجرها اليهود مطلع عقد التسعينيات. تحولت بعد ذلك إلى مزيج بشري مختلط من كل الطوائف، فيما بقيت بعض البيوت مغلقة. من جهة أخرى، تخصص الكاتبة مرثية لنهر بردى الذي تغنّى بعذوبته الشعراء. فقد جفّ وبات مكبّاً للنفايات، فنحن اليوم «نشهد الاحتضار البطيء والطويل لنهر دمشق العنيد».
ليس بعيداً عن كتف نهر بردى، تقع محطة الحجاز التي بناها السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1900، كي تكون نواةً لخط الحديد الحجازي الذي سيربط سوريا بفلسطين، وصولاً إلى الأراضي المقدّسة، للتخفيف من أعباء موكب الحج. لكنّ خطط لورانس العرب، لدى قيام الثورة العربية الكبرى (1916)، قضت بتخريب الخط، قطعاً للاتصال بين بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية... هكذا بقي بناء هذا الخط متعثّراً إلى اليوم.
وهناك وقفة عند أسوار سجن المزّة الشهير. السجن الذي أغلق منذ سنوات، بعدما كان مكاناً للجحيم. خلف جدرانه عاش سياسيون وعسكر أفظع أيام حياتهم، في انقلابات عسكرية متلاحقة، قادت الجميع إلى الزنازين المعتمة، وبعضهم إلى التصفية الجسدية.
وإذا كان المؤرخ محمد سعيد القاسمي يرى أنّه «لا يدخل القهاوي من كان به شهامة أو عقل أو دين»، كما تذكر جروس، فإن هذه النظرة اندحرت أمام الانتشار الكبير للمقاهي، مطلع القرن العشرين. وقد عرفت المقاهي الدمشقية ذروة ازدهارها في الأربعينيات والخمسينيات. اقتحم المقاهي السياسيون والأدباء، ليشهد «مقهى الرشيد» مثلاً عقد المؤتمر التأسيسي لحزب «البعث» (1947). كذلك اشتهر مقهى «الهافانا» كملتقى للأدباء والصحافيين مثل صدقي إسماعيل، وعبد السلام العجيلي. لكنّ تحولاً مفاجئاً أصاب المقاهي، في العقود الثلاثة الأخيرة، لتتحوّل إلى مكان للمتقاعدين والعاطلين من العمل، ولبعض المثقفين الذين يتوزعون طاولات مقاهي «الروضة»، و«الكمال»، و«البرازيل».
مع انتهاء عهود «التقشف الاشتراكي، والتجهم الأيديولوجي» مطلع الألفية الجديدة، انتشرت أنماط جديدة من المقاهي والحانات، في تعبير صريح عن صعود طبقة ثرية جديدة. اكتملت ملامح حضور هذه الطبقة، بانتشار مفهوم آخر للتسوّق ووجود «مولات» ضخمة، وأماكن للسهر، زعزعت قيم المجتمع الدمشقي المحافظ، وأدخلت البلاد في صخب العولمة. لعلّ العشوائية في التحديث أخلّت بفضاء المدينة وتقاليدها المتوارثة، بما فيها المطبخ الشامي العريق. انتشار مطاعم الوجبات السريعة، أطاح مقام «ربة المنزل والمحاشي»، وخلخل الروابط الأسرية المتينة.
لكن هل دمشق هي فقط تلك الأيقونة المقدّسة التي اختزلها بعضهم بأنها مدينة الياسمين، والنارنج، والشرفات المتعانقة، بما يتلاءم مع الخطابة، والإنشاء المدرسي المتداول؟ تنخرط الكاتبة في هذا السياق أحياناً، من موقع الحنين والشغف، متجاهلة أنّ دمشق ـــــ كأي عاصمة أخرى ـــــ مكان للهجنة والتنوّع والاختلاف.