في أطروحته «العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية» (الدار العربية للعلوم ناشرون، تعريب محمود حداد)، ينقد جورج صليبا السرد الكلاسيكي للتفاعل العربي مع العلوم اليونانية. يعود المفكر والأكاديمي اللبناني المقيم في الولايات المتحدة إلى مراحل تطور علم الفلك عند العرب، وتأثير العلوم العربية الواضح في النهضة الأوروبيّة. علماً بأنّ الكتاب صدر بطبعته الإنكليزية الأولى عام 2007، عن دار MIT Press.

من كشف إلى كشف، يقود صاحب «الفكر العلمي العربي نشأته وتطوره» القارئ في رحلة شيقة، أشبه بالصدمة المعرفية. يؤرخ صليبا لبدايات حركة التعريب في الحضارة الإسلامية. وينتقد المدوّنات الكلاسكية التي تعيد بداية حركة الترجمة إلى زمن الخليفة العباسي المأمون، المنتصر لفرقة المعتزلة. ويرجع بداية حركة النقل إلى عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. ويعتمد بذلك على كتاب «الفهرست» لابن النديم الذي أعاد ظهور العلوم عند العرب، إلى الاحتياجات الإدارية في الدولة خلال عهد عبد الملك، أوّل من صك النقود الجديدة للدولة العربية الناشئة. العوامل الاقتصادية والاجتماعية في عهد عبد الملك، هي التي قادت حركة الترجمة إذاً. وكانت تلك الحركة إحدى نتائج التنافس في رحم الطبقة البيروقراطية، المتصارعة على النفوذ.
ويخلص صليبا إلى ما أطلق عليه مفهوم «السرد البديل». ترجمة العلوم في الإرث اليوناني، كانت نتيجة التأسيس للدولة ومتطلباتها الجديدة، ولم تكن عملاً معرفياً ترفيهياً، يرتبط بأحلام المأمون، وحواره المفترض مع أرسطو.
يجعل صليبا من علم الفلك في الحضارة الإسلامية أساساً لأطروحته. ويكشف كيف أنّ علماء العرب فككوا خلاصات بطليموس وانتقدوها. هم لم يكتفوا بما قدمته المصادر اليونانية في هذا المجال، بل طوّروها، ووضعوا نظريات فلكية خاصة. ومن بين هؤلاء الحسن بن الهيثم واضع كتاب «الشكوك على بطليموس». تطور هذا العلم الجديد بالترادف مع المطالب التي فرضها الدين الإسلامي، بعيداً عن التنجيم. وأدى الاحتكاك مع الثقافة اليونانية إلى ردود فعل معرفية، جاء في مقدمتها الاصطدام بالفكرة الفلسفية القائلة بأن العالم قديم/أبدي، على اعتبار أنّ الدوائر الدينية تؤمن بأن العالم محدث. يخلص صليبا إلى أن التراث الفلكي اليوناني، وخصوصاً نصوص بطليموس، لم يُحفظ في الحضارة الإسلامية، بل استقبل بتقويم نقدي منذ البداية. صدمة معرفية ثانية يكشف عنها صليبا، تتعلّق بكوبرنيك. يخبرنا أنّ «هيئة عالم الفلك الدمشقي الشهير ابن الشاطر (1304 ــــ 1375) لحركات القمر، كانت مطابقة تماماً لهيئة كوبرنيك (1473 ـــ 1543) للكوكب عينه». هذه المصادفة التاريخية التي ظهرت إلى الضوء عام 1957، أدّت إلى نقاشات بين أهل الاختصاص في أوروبا، وإلى وضع دراسات من بينها ما نشر في مجلة «إيزيس»، بقلم فيكتور روبرتس تحت عنوان «نظرية ابن الشاطر لحركات الشمس والقمر: هيئة كوبرنيكية سابقة لكوبرنيك».
هل يعني ذلك أنّ كوبرنيك كان يجيد اللغة العربية؟ طبعاً لا. كيف حدث الاحتكاك إذاً؟ يضع الكاتب مجموعة من الفرضيات المفتوحة، من بينها أنّ عدداً من مستعربي عصر النهضة، ساعد كوبرنيك في الاطلاع على علم الفلك العربي، ومن بينهم المستعرب الفرنسي غيوم بوستيل. وبهذا، فإن علم الفلك العربي ساعد على دعم الثورة العلمية في أوروبا، ليس فقط من ناحية العودة إلى المصادر العربية ـــــ غالباً لا يعترف بها الأوروبيون ــــ بل أيضاً عبر آلات رصديّة اخترعها عرب.
يبرهن صليبا على أنّ ما اصطلح على تسميته عصر الانحطاط في الحضارة الإسلامية، لم يشهد نكوصاً للعلوم العربية، بل على العكس. من جهة أخرى، يعيد النظر بما رواه التاريخ الرسمي عن دور الإمام الغزالي، صاحب «تهافت الفلاسفة»، في انتصار الفكر الديني على الفكر العقلي/النقدي. يؤكد صليبا أنّ علم الفلك شهد عصراً ذهبياً في الفترة اللاحقة للغزالي، وأنّ تراجع العلوم عند العرب ترافق مع بداية تفكك السلطة السياسية في العالم الإسلامي، منتصف القرن السادس عشر. مع العلم بأنّ اكتشاف العالم الجديد نهاية القرن الخامس عشر أنتج تحولاً دراماتيكياً. هذا الاكتشاف، كما يلفت الكاتب، «لم يعطّل فقط طرق التجارة الأوروبية ــــ الآسيوية التي كانت تجذب الثروة التجارية إلى الأراضي الإسلامية طوال قرون. بل جلب مواد جديدة إلى البلدان الأوروبية، بعدما كانت هذه المواد قد استنزفت في الأراضي الإسلامية».
في «العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية»، يُجبرنا جورج صليبا على إعادة قراءة تاريخنا العلمي. لا نعلم لماذا تبدو ذاكرة العرب ضعيفة في الإضاءة على المبدعين الأوائل. والأخطر من ذلك أنّ دور النشر العربيّة تعيد طباعة المدونات الدينية/الفقهية ـــ رغم أهميتها ـــ والأدبيات الجنسية، مع إهمال شبه تام للإرث العلمي. ألا يحتاج العرب إلى إعادة قراءة تراثهم العلمي؟ لا شك في أنّهم سيكتشفون فيه المزيد من المنجزات التي ساعدت أوروبا على بناء نهضتها.