معمّر القذّافي بطل تراجيكوميدي بامتياز. ولولا الأذى الكبير الذي ألحقه بشعبه وبالعالم، لأمكن القول إن ما نشهده منذ أشهر في ليبيا، أقرب إلى مسرح العبث أو اللامعقول. نفكّر تحديداً بنصّ شهير لأوجين يونيسكو، هو «الملك يموت». العالم يتصدّع، المملكة تنهار، والداندي المتأنّق الذي يخفي في فساتينه فارساً مغواراً، مسيطر على الأوضاع. إنّه بكامل «سطوته»، في واحة سبها يقال، يصدر الأوامر، ويدير شؤون «الجماهيريّة» بصولجان من كرتون.


الجميع يتساءل الآن كيف أمكن هذه المهزلة أن تستمرّ عقوداً؟ كيف حكم الرجل العصابي والدموي والمجنون بلاداً مثل ليبيا كل هذا الوقت؟ كيف زحف المثقفون والمفكرون والمناضلون والإعلاميّون العرب بالآلاف إلى صاحب «الكتاب الأخضر» لأخذ «بركاته»؟ بالأمس القريب، كان مهرّج آخر اسمه برلوسكوني، لا يقلّ وجوده على الساحة السياسيّة عبثيّة وخطورة، يأخذ دراكولا باب العزيزيّة بالأحضان، ويفتح له من جديد نعيم الديموقراطيّات الغربيّة. عشيّة النهاية الوشيكة لـ«ملك ملوك أفريقيا»، نتلفّت حولنا ونسأل: من التالي؟ لكن مهلاً... إذا كان صعود «آرتورو أوي» ـــ القذافي وانهياره، مسرحيّة عبثيّة، فإن «انتصار» الشعب الليبي الآن، برعاية أطلسيّة، أقرب إلى التراجيديا الإغريقيّة. الديموقراطيّة التي تلوح في الأفق، خدعة جديدة (اسألوا أهل العراق)، تذكّر بالقميص الحرير المغمّس بدماء نيسوس الذي أهدته ديانيرا إلى حبيبها هِرَقْل عشيّة عرسه. القميص المسموم فتك بجسد البطل الجبّار الذي لم تقوَ عليه الوحوش والجيوش والمهمّات الاثنتا عشرة. لم يجد هرقل ما يفعله كي يضع حدّاً لعذابه، سوى أن يرمي بنفسه في ألسنة اللهب.